لا يبدو أن المخرج البريطاني مايكل غرانداغ، وهو المعروف بنجاحاته في المسرح، قد تحرر تماماً من عباءة «أبو الفنون» في باكورة أعماله السينمائية «عبقري» (Genius)، الذي يستحضر فيه سيرة المحرر الأدبي ماكس بيركنز، لنجد أنفسنا أمام عمل مسرحي في قالب سينمائي، من حيث استعراض القصة والديكور وحتى الإضاءة التي تشبه تلك المستخدمة على الخشبة.

فضلاً عن محاولته إقحام المسرح في بعض مشاهد الفيلم، على يد الممثلة نيكول كيدمان التي تلعب في الفيلم دور مهندسة ديكور مسرحي، وزوجة بيركنز التي تشتغل في التأليف المسرحي.

سيرة

يشبه هذا الفيلم بالنسبة للمخرج غرانداغ إلى حد كبير المخطوطة الأولى للكاتب توماس وولف الذي أطلق ماكس بيركنز نجوميته في فضاء الأدب الأميركي الذي كانت فترة العشرينيات تمثل عصره الذهبي.

إلا أن غرانداغ لم يسلك في فيلمه خطى مخرجي أفلام السير الذاتية، فقد ابتعد كثيراً في سرده لسيرة بيركينز عن تفاصيل حياته الطفولية وعلاقته العاطفية والأسرية وحتى تكوينه الأدبي بقدر ما اهتم في تقديم سرد لطريقة عمل هذا المحرر الأدبي الذي ساهم في إطلاق نجومية عدد من الأدباء الذين برغم رحيلهم لا تزال أسماءهم تضيء سماء الأدب، مثل أرنست هيمنغواي، وسكوت فيتزغيرالد.

محرر العباقرة

في هذا الفيلم يتبع غرانداغ سيرة ماكس بيركنز (الممثل كولن فيرث)، الذي كان يعمل محرراً أدبياً لصالح دار نشر «أبناء تشارليز سكريبنز» في نيويورك، خلال فترة العشرينيات، واستمر فيها لأربعة عقود. المشهد الافتتاحي للفيلم الذي ألف نصه الكاتب المسرحي جون لوغان، والمقتبس عن كتاب «ماكسويل بيركنز:

محرّر العباقرة» للكاتب إيه سكوت بيرغ، يبدأ من إحدى جادات نيويورك التي تعيش في فترة الكساد العظيم، حيث نرى فيه بيركنز منكباً على تحرير مخطوطة «وداعاً للسلاح» لأرنست هيمنغواي، لتصله في الوقت ذاته، مخطوطة ضخمة لكاتب مجهول.

وبمجرد أن يبدأ بيركنز قراءتها حتى يقتنع بأنه أمام موهبة أدبية جديدة، سرعان ما نكتشف أنه الكاتب توماس وولف (الممثل جود لو)، الذي سرعان ما ينتشر صيته مع روايته الأولى «انظري باتجاه المنزل، يا أنجل» والتي تتربع على عرش قائمة الأكثر مبيعاً، بعد أن يخضعها بيركنز لعمليات القطع والتحرير، مقلصاً إياها إلى نحو 300 صفحة، لتكون قابلة للقراءة.

وسرعان ما يطل عليه وولف برواية ثانية عنوانها (عن الزمن والنهر) تستغرق فترة 9 أشهر من التحرير، يقوده ذلك إلى تحقيق النجاح.

الزمن والنهر

وبرغم كونه فيلماً عن سيرة ذاتية، إلا أن غرانداغ، حاول فيه الغوص في تفاصيل العلاقة التي جمعت بيركنز مع وولف، فضلاً عن تركيزه على طبيعة المهمة الشاقة التي كان بيركنز يتحملها في تحرير الأعمال الأدبية بحيث تكون قابلة للقراءة.

وهو ما حاول المخرج تبيانه في مشاهد الفيلم التي عمل بيركنز وولف على رواية «عن الزمن والنهر»، ففي الوقت الذي لم يكن فيه وولف قادراً على التوقف عن الكتابة، اجتهد بيركنز في إعمال قلمه في الرواية، مخلصاً إياها من فقرات وجمل يعتقد أنها غير مقنعة للقارئ، وهو ما لم يكن يعجب وولف نفسه، الذي كان مقتنعاً أنها ضرورية للرواية كونها تروي قصة حياته التي شبهها بنهر جار، حتى انتهى به الأمر في المستشفى الذي شكل محطته الأخيرة في الحياة.

امتياز

تجربة المخرج غرانداغ الأولى كانت ناجحة بامتياز، لدرجة أنه استطاع المنافسة فيها على دب برلين السينمائي الذهبي، وقد لعب بطولتها الممثل كولن فيرث وجود لو وكذلك نيكول كيدمان.