برغم كهولته لا يزال المخرج والممثل الأميركي كلينت ايستوود، 86 عاماً، الحائز على الأوسكار، قادراً على استفزاز المشاهد، في أي عمل يطل به سواء كان تمثيلاً أو إخراجاً، فما يتمتع به ايستوود من موهبة وقدرة على إصابة جمهوره وأباطرة السينما بالحيرة.

جعلت منه أحد أقوى أعمدة هوليوود، لدرجة أن البعض لقبه بـ «رمز هوليوود الأميركي»، ما دعا ذلك العديد من أباطرة هوليوود لأن يرفعوا «القبعة» له، تقديراً على تعبه وجهده وشغفه السينمائي الذي يتمدد على 60 عاماً، حاملاً فيه 35 فيلماً تحمل توقيعه في الإخراج، وعشرات أخرى جسد بطولتها.

«أميركان سنايبر» الذي قدمه في 2014، وفاز بأوسكار أفضل إنتاج موسيقى، ورشح لـ 6 جوائز أخرى، وأثار به ضجة كبيرة جذبت انتباه الجمهور والنقاد الذين رأوا فيه «تمجيداً» لأحد أبرز قناصي الجيش الأميركي رغم ما تحمله يداه من آثار دماء بريئة، لم يكن فيلمه الأخير، فلا يزال «الكهل» قادراً على تقديم مزيد من الأفلام، حيث أعلن عن نيته إخراج فيلم عن ربان الطائرة المنكوبة «هدسون»، تكريماً للطيار الأميركي تشيسلي سولنبرغر.

قبل أن يعرف العالم ايستوود مخرجاً عرفه ممثلاً، وفي هذا الجانب، يسود اتفاق عام على أنه استطاع إعادة صياغة تجسيد الشخصيات، مستخدماً بذلك هدوءه ومعرفته وذكاءه، فلا تزال الشخصية التي أطل بها في «ثلاثية الدولار» (Dollars Trilogy) للمخرج الإيطالي سيرجي ليوني.

والتي ضمت أفلام: (A Fistful of Dollars) صدر في (1964) و(For a Few Dollars More) (1965) و(The Good, the Bad and the Ugly) ( 1966)، ماثلة في الكثير من العقول، حيث قدم المخرج ليوني الثلاثية، في إطار ما يعرف بأفلام «سباغيتي ويسترن».

وبرزت قوتها في قدرتها على استفزاز المشاهد، فمن جهة لم تحمل شخصية المقاتل التي لعبها ايستوود «اسماً» وظهر فيها بمعطف واحد فقط، وكان قليل الكلام، إلى جانب ذلك فقد قدمت السلسلة، خاصة الجزء الأول منها والذي شارك في بطولته أيضاً جيان ماريا فولونتيه وماريان كوش وجوزيه كالفو، صورة الغرب الأميركي بنكهة ايطالية، وهي التي حولت ايستوود إلى ايقونة سينمائية.

ورغم أن هذه «الثلاثية» كانت أولى بطولاته السينمائية وانطلاقته الفعلية التي جاءت من أوروبا وليس أميركا، إلا أن الجزء الأول منها لا يزال محتلاً للمرتبة الخامسة بين أهم 10 أفلام إيطالية، فيما احتل الجزء الثالث (The good, the bad and the ugly) المراكز العشرة الأولى في قائمة IMDB لأفضل الأفلام في التاريخ، وصنفه أسطورة الإخراج كوينتن تارانتينو كأفضل فيلم على الإطلاق.

30 عاماً

ابداع ايستوود في بطولة أفلام «الويسترن» لم يكن مقتصراً على «ثلاثية الدولار»، وإنما برز ايضاً في عام 1992، عبر أحداث فيلم «غير المسامح» (Unforgiven) الذي لعب فيه شخصية (بيل ماني) الذي يترك مهنة المبارزة بالسلاح، ليتجه نحو الزراعة.

ولكنه يجد نفسه مضطراً للعودة إلى مهنة المبارزات بعد عودة مظاهر العنف في الغرب الأميركي، وقوة هذا الفيلم تكمن في عودة ايستوود الذي تولى إخراجه أيضا، إلى أفلام «الويسترن» بعد مرور 30 عاماً على رحلته مع هذه النوعية من الأفلام.

فضلاً عن جمعه تحت مظلته لعدد من النجوم الكبار بينهم مورغان فريمان وجين هاكمان، وريتشارد هاريس، كما أنه الفيلم الذي قاد ايستوود إلى منصة الأوسكار ليخرج متوجاً بأربع جوائز منها أفضل فيلم ليكون بذلك ثالث فيلم «ويسترن» يفوز بأوسكار أفضل فيلم بعد «سيمارون»(1931) و«الرقص مع الذئاب» (1990).

مخبر سري

وهناك أيضاً سلسلة «هاري القذر» (Dirty Harry) (1971) والتي تعد واحدة من أبرز السلاسل التي أبدع فيها ايستوود على مستوى الإخراج والتمثيل، ففيها جسد دور «هاري كالاهان» المخبر السري المخلص لعمله، الذي تعطله القوانين والروتين وغباء الرؤساء عن تميّزه وأدائه لعمله بأسلوبه الخاص المائل إلى العنف، وفيه حقق ايستوود نجاحاً فنياً وتجارياً، ورغم ذلك اعتبره الكثير من النقاد فيلماً «فاشياً» لما حمله من عنف مفرط.

وقعُ هذا الفيلم «تجارياً» و«جماهيرياً» دعا ايستوود لأن يتممه بسلسلة كاملة لعب بطولتها ضمت فيلم «قوة ماجنوم» (Magnum Force) (1973) للمخرج تيد بوست، و«المنقذ» (The Enforcer) (1976) و«الوقع المفاجئ» (Sudden Impact) (1983) وهما من إخراج ايستوود نفسه، و«المجموعة الميتة» (The Dead Pool) (1988) للمخرج بودي فان هورن.

تجربة ايستوود في إدارة دفة إخراج فيلمي «المنقذ» و«الوقع المفاجئ» كانت كفيلة بأن تكشف عن «موهبة الإخراج» التي يمتلكها، والتي مكنته بعدها من تقديم نحو 35 فيلماً، بعضها يعد تحفاً سينمائية، فكلما تابعت له فيلماً تشعر أنه اقتبس من المخرج سيرجي ليوني اتقانه لشتى أنواع إطارات الصورة، وتصميم الفضاء المصور وكأنه لوحة راقصة، كما اقتبس من المخرج سيغيل السرعة والطاقة والحيوية.

ومن أبرز تحفه فيلم «رسائل من لو غيما» (Letters from Iwo Jima) الذي قدمه في 2006، وتطرق فيه إلى قصة معركة إيوو غيما بين الولايات المتحدة واليابان والتي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، وشكل هذا الفيلم «حالة نادرة من أفلام الحرب كونه يروي القصة من وجهة نظر العدو».

ولعل ذلك ما دعا المخرج المخضرم بول نيومان لأن يقول عنه في إحدى حفلات الأوسكار: «كان ايستوود يغضبني، نبذل مجهوداً رهيباً لعمل فيلم نراه عملاً رائعاً بحق، ليظهر إيستوود بفيلم ينسف كل أفكارنا عن الأفلام الجيدة!».

دراما واقعية

الجريمة وأفلام الويسترون والحرب لم تكن النوعية الوحيدة التي أبدع فيها ايستوود، فقد كان له نصيب من أفلام الدراما، كما في Changeling الذي قدمه في 2008، ولعبت بطولته النجمة انجلينا جولي، حيث اعتبره النقاد أنه واحد من أفضل الأعمال التي أخرجها، ففيه قدمت انجلينا جولي أداءً قوياً لامس القلوب وخطف عاطفة المشاهدين.

حيث تدور الأحداث في إطار قصة واقعية حول أم تفقد طفلها، ليكشف ايستوود من خلاله «فساد» الشرطة التي قامت بتقديم طفل آخر شبيه لطفل الأم التي رفضت ذلك لعدم قناعتها، الأمر الذي دعا الشرطة لوصفها بـ «المختلة عقلياً».

وفي هذا السياق، هناك أيضاً فيلم «فتاة المليون دولار» (Million Dollar Baby) الذي يلعب فيه ايستوود دور مدرب ملاكمة كبير في سنه وغير مقدر، يحاول مساعدة فتاة ملاكمة هاوية لتصبح محترفة.

وفي هذا الفيلم الذي يشارك فيه أيضاً مورغان فريمان، استطاع أن يكشف ايستوود عن مواهب النجمة هيلاري سوانك الكامنة، وبحسب تعبيره خلال مقابلة معه، فإن ما لفت انتباهه خلال إخراجه لهذا الفيلم هو «أنه في الواقع ليس فيلماً عن الملاكمة بل هو قصة حب تتناول رجلاً آثر فيه غياب أي علاقة له بابنته وإذا به يجد بديلة عنها في هذه المرأة الشابة».

ومن التحف الأخرى التي أبدع فيها (Pale Rider) الذي عرض في 1985، و(In the Line of Fire ) الذي صدر في 1993 و (Absolute Power) في 2007، و(Gran Torino) الصادر في 2008، والذي كان أخر فيلم من تمثيله.

لأفلام ايستوود نكهة خاصة، فعلى قدر شغفه بالإخراج، يأتي شغفه بالموسيقى التصويرية، فخلال مسيرته تولى تأليف الموسيقى التصويرية لتسعة أعمال، من بينها الفيلم الدرامي «النهر الغامض» (Mystic River) التي جاءت موسيقاه باعثة على الكآبة.

وفي هذا الجانب لدى ايستوود نظرية خاصة، فهو يعتبر أن «الموسيقى التصويرية تحدد الطابع الذي سيصبغ العمل بكامله، فهي التي تحدد ما إذا كان طابعه سوداوياً تخيم عليه أجواء الحزن والكآبة أم سيتسم بالإثارة والتشويق».