يفضل صناع الأفلام في هوليوود، تصوير أعمالهم في مسقط رأسهم والأماكن التي ترعرعوا فيها، فنجد الأسطورة مارتن سكورسيزي، أفضل من أبرز نيويورك في أفلامه، ونجد أندرو ديفيس، يصور أقوى أفلامه في مدينته شيكاغو، وإم نايت شيامالان نادراً ما يخرج من بنسلفانيا.
فكل صانع أفلام يشعر بقوة انتماء لمحيطه الجغرافي الذي ولد ونشأ فيه، لكن اللافت للنظر هو ما فعله جوناثان هينسليه، الذي أقام فترة في نيويورك فعشقها، وكانت النتيجة أنه كرس لها أفضل نص سينمائي كتبه، وهو الجزء الثالث من سلسلة أفلام الموت الصعب، بعنوان Die Hard With a Vengeance عام 1995.

هينسليه ركز على معالم نيويورك وجغرافيتها بطريقة لم يفعلها أحد قبله ولا بعده، فهو لم يكتف بإدخال الأماكن التي كان يمر بها في نص فيلمه، وإنما أدخل أيضاً ما كان يتمنى أن يفعله في خياله الجامح، ضمن سيناريو الفيلم والنتيجة، كانت فيلماً كلاسيكياً من الطراز الأول، ومشاهد خلدت في تاريخ السينما، وتم الاستشهاد بها ضمن دراسات خرجت عن سياق صناعة الأفلام.
المقدمة توحي أننا أمام فيلم رومانسي كوميدي، وهي مخادعة، إذ تظهر لقطات من المدينة تعطي انطباعاً بالتفاؤل، ونرى الناس يمضون إلى أعمالهم ويؤدون أنشطتهم اليومية، ونسمع أغنية يردد المغني فيها ثلاث كلمات باستمرار: «الصيف في المدينة»، فنفهم فوراً أن وقت أحداث الفيلم في فصل الصيف.
وقبل انتهاء الأغنية ومضي الدقيقة الأولى، يقع انفجار ضخم أمام متجر كبير في شارع مزدحم، وتبدأ القصة مباشرة دون أي تمهيد.

من أقوى المشاهد، طلب سايمون غروبر (جيريمي آيرونز)، من الضابط جون ماكلين (بروس ويليس)، تعليق لوحة على صدره مكتوب عليها عبارة عنصرية في هارلم، وهو حي المواطنين الأميركيين من أصول أفريقية، حيث يراه زوس كارفر (ساميول إل جاكسون)، وهو مواطن أميركي عصامي، يمتلك محلاً لإصلاح الأدوات الكهربائية.
ماكلين يطلب من زوس الابتعاد عنه، لأن المسألة تخص الشرطة، الأخير يتفهم، لكن بعد فوات الأوان، إذ ترى ماكلين مجموعة من الشبان ذوي الأصول الأفريقية فيهاجمونه، وعندما يتدخل زوس لإنقاذه، ويسأل عن السبب لاحقاً، فإنه يقول: «أنقذت رجلاً أبيض من القتل في هارلم، ولو قتل رجل أبيض واحد هناك، لوجدنا عناصر شرطة كلهم من البيض تحاصر الحي».
ذلك الجزء الشهير من كلام زوس، يدل أن هينسليه يطرح مشكلة النزعة العنصرية التي يعانيها المجتمع الأميركي، وهو ما نراه يحدث اليوم في حوادث إطلاق نار ذات طابع عنصري في الولايات المتحدة.
لن يحتاج المشاهد لتفسير سبب قبول زوس التعاون مع ماكلين، عندما يصر سايمون على ذلك، فوجود خطة لإحداث دمار في المدينة عن طريق زرع المتفجرات وقتل الأبرياء، سيجبر جميع مكونات المجتمع على التلاحم ضدها.
المشهد القوي الآخر، عندما يطلب سايمون منهما الذهاب إلى محطة قطارات وول ستريت، الواقعة في حي المال والأعمال، حيث توجد قنبلة مزروعة في أحد القطارات. المحطة تبعد 90 مبنى، ويطلب منهم سايمون الوصول إليها خلال 30 دقيقة فقط، وإلا سيفجر المحطة.
الوصول خلال نصف ساعة مستحيل في زحمة نيويورك، كما نفهم من حوارات ماكلين وزوس، لكن الحل يأتي من خيال هينسليه الجامح، الذي يدفع الضابط ماكلين لفعل ما كان الكاتب يحلم به، وهو اختطاف سيارة واختصار المسافة باجتياز حديقة سنترال بارك في الوصول إلى الجهة الأخرى، حيث تقع المحطة.

هذا المشهد تحديداً أثار الكثير من الإعجاب من ناحية أصالته والجدل من ناحية واقعيته، وتم الاستشهاد به في دراسة أعدها أحد خبراء المواصلات لمعالجة مشكلة الازدحام المروري في نيويورك. وطلب هذا الخبير من بلدية المدينة، عبور الحديقة بسيارته للتأكد من مصداقية المشهد، إلا أن طلبه قوبل بتحفظ شديد.
تم توظيف جغرافية نيويورك، كأداة في الفيلم بصورة فعالة، فنرى غارات للشرطة على مدارس المدينة للعثور على المتفجرات المزروعة. ونرى الضابط ماكلين وزوس يتنقلان معاً من موقع لآخر، والكاميرا تلاحقهما، وتنتقل منهما إلى المفتش كوب، ثم سايمون، قبل أن تعود إليهما مجدداً.
نرى مطاردة تبدأ في أنفاق تحت الأرض، ثم تصعد الكاميرا لتكمل الجزء الثاني من المطاردة نفسها في الشارع. نرى محطة قطارات وانفجاراً هائلاً يدمرها، ثم يأخذنا هينسليه إلى حي المال والأعمال، حيث يقع بنك الاحتياط الفيدرالي، الذي يتعرض لاعتداء كبير، بمثابة ضربة في قلب المدينة، وما تعنيه من رمزية كعاصمة تجارية للولايات المتحدة، ومركز مالي عالمي.
يستمر سايمون في إعطاء الألغاز لماكلين وزوس، اللذين يكتشفان خدعة سايمون الكبرى، ومآربه الحقيقية بعد وصولهما إلى تومبكين سكوير بارك، حيث يحلان لغزاً، ويجدان مظروفاً به تذاكر لدخول ملعب البانكيز، فيقرر ماكلين إرسال زوس إلى الملعب، بينما يذهب الأول لملاحقة مرتكبي اعتداء البنك.

وفي التنقل بين الأماكن، فإن الفيلم يعتمد على أسلوب سرد، يحمل طابعاً جغرافياً، كعنصر معزز لعملية التصوير، ومساهم في بناء العلاقة بين الشخصيتين، فنرى ماكلين وزوس يتنقلان جرياً، ويعرقان، ويسقطان أرضاً، مع ظهور كدمات على وجوههما، تعكس قساوة الظروف التي يمران بها، بالإضافة إلى تشاجرهما حول من يفهم جغرافية المدينة أكثر من الآخر.
أيضاً، يرى المشاهد مظاهر الحياة المدنية وشرائح متعددة من سكان نيويورك، من خلال مشاهد كثيرة، أبرزها مشهد البحث عن القنبلة في القطار، وثانٍ لرجل أعمال عنصري يلتقي به زوس، وثالث لشرطي عنصري يصطدم بزوس في محطة القطار قبل الانفجار، ورابع لموظفي شركة يتفرجون على حادثة انفجار المحطة، وخامس لسائق شاحنة ظريف مثقف ثرثار يدعى جيري باركس. ففي أي فيلم آخر من السلسلة أو غيرها، المدينة تعتبر جزءاً من مشهد، لكن هنا، المدينة هي مشاهد الفيلم بكاملها.
عنوان الفيلم هو الموت الصعب والانتقام، والكلمة الأخيرة بالتحديد، لها قراءتان، ففي الفيلم سايمون غروبر يشن هجوماً ضد نيويورك، انتقاماً لمقتل أخيه هانز في الجزء الأول. في الوقت نفسه، ماكلين ينتقم من سايمون على ما فعله في مدينة نيويورك، التي تعتبر مسقط رأس الضابط ماكلين.
DVD

Die Hard with a Vengeance
لم يكن السيناريو مخصصاً للفيلم، لكنه حاز على إعجاب الشركة المنتجة فتبنته وصنف كفيلم كلاسيكي من قبل عشاق السلسلة.

The Saint
جوناثان هينسليه كتب السيناريو الذي لم يكن موفقا والنتيجة فيلم ممل بسبب مشاهد معارك غير مثيرة للاهتمام.

Armageddon
أميركا تنقذ العالم من خلال سيناريو مبتذل وتمثيل سيئ ومونتاج لاهث وفي النهاية فيلم غير واقعي.

The Punisher
فيلم مغرق في العنف والبطل يعاقب الجمهور على المشاهدة كما يعاقب أعداءه.
