- "هؤلاء الهمج، من أين أتوا إلينا، من كوكب آخر؟"
- "إنهم من بيننا. أبناؤنا، نحن صنعناهم".
- "العالم صنعهم.. البربرية"!
- " وجنود كثر ماتوا.."
- "نعم، ومات الشعب"!
تلك نتف من حوار يدور بين شخصيات في فيلم الجزائري سالم براهيمي "الآن، دعهم يأتون"، في المعالجة السينمائية لرواية أرزاقي ملال الشهيرة، التي حملت الاسم ذاته.
ذلك الحوار، يقع في منتصف أحداث الفيلم، الممتدة على طول أكثر من عقد من الزمان، بدءاً من العام 1989، وهي السنوات الأليمة التي يعرفها الجزائريون باسم سنوات "الألم والدماء".
ذاكرة الألم
ذلك العقد الذي شهد صراعاً، سفكت فيه دماء أكثر من مائتي الف جزائري، بين السلطة والجيش والإسلاميين. ذبحت أعناق، تقطعت أعضاء، تشوهت منظومة إنسانية وأخلاقية كاملة، تركت الجروح والندوب، التي لم تشف منها الجزائر، تماماً إلى يومنا هذا، بالرغم من عدم رغبة كثيرين بالتذكر.
الذاكرة محملة بالأسى، لكن بأخطر من ذلك. بأسئلة من قبيل: كيف، لماذا، من المسؤول، من المستفيد، ماذا عن المستقبل؟ هل يمكن لما كان أن يكون مجدداً؟ أسئلة شائكة، أراد براهيمي، الفرنكفوني المولود في لندن (1972)، أن يطرحها، استناداً إلى الرواية التي كتبها صاحبها، على شاكلة تسجيل يومي للأحداث، التي عاشها بشكل شخصي في بلاده، في صلب تلك الفترة التي اختطفت فيها الجزائر إلى.. "زنقة الشيطان".
ابتزاز
الرواية التي طبعت أكثر من مرة بدءاً من بداية الألفية إلى اليوم، في فرنسا، وسبق وحولت إلى عمل مسرحي في باريس (2007)، بطلها عامل في مصنع اسمه نور الدين (في فيلم براهيمي أدى دوره المغني الجزائري المهاجر إلى فرنسا أمازيغ كاتب)، يعيش يوميات التحولات في مجتمعه الذي يضم: أصحاب المصنع ومنهم نقابيون يساريون يتناقشون في أمور عدة من بينها تأثير انهيار جدار برلين على العالم وصولاً إلى تردي الأوضاع المعيشية في البلاد، وانهيار الطبقة الوسطى، وضرورة الدعوة إلى اضرابات عاجلة.
وأيضاً في عالم نور الدين زوجة لم يرتبط بها عن حب، وإنما بسبب ابتزاز عاطفي خضع له من قبل أمه، التي يفتتح الفيلم مشاهده على مرضها، وعلى لومها ابنها على كل شيء، بما في ذلك المرض نفسه. نفاذاً لوصيتها، يتزوج راضخاً من ياسمينا (رشيدة براكني الفرنسية من أصول جزائرية)، وينجب طفلاً، فيما الأيام تمضي على مفاجآتها الشرسة المتزايدة يوما بعد يوم.
"اذهب إلى الرئيس"
اضطرابات. انتخابات. فراغ رئاسي. مجازر في القرى. مشايخ يعودون من أفغانستان بعد الحرب الروسية - الأميركية. أزقة القصبة، الحي العتيق في المدينة، تشهد أبشع المصادمات. أصوات المتطرفين تزعق في كل مكان، من أي مذياع في السيارة أو البيت أو الشارع. يقطعون الطرقات بحجة الصلاة، يمنعون نور الدين من الوصول إلى المستشفى مع زوجته لكي ينقذ طفله من الحمى. كنقابي يساري متحضر يلجأ إلى الشرطة لكي يقدم شكوى. الشرطة الخائفة من الشيخ النفزاوي وعصبته تسخر من نور الدين: "قدم شكوى إلى الرئيس". الجزائر تموج في بحر من الظلمات، والرجال الطيبون، الممانعون، الذين يحبون الورد ويزرعونه في الحدائق، يتم تقطيعهم ورميهم في أكياس بلاستيك في مستوعبات القمامة.
المواجهة
رغم كل شيء، نور الدين، لا يزال يحتفظ بأمرين: كراسته التي (كما فعل الروائي ملال نفسه أثناء الأحداث) لم يتوقف يوماً عن أن يضمنها مشاعره ويومياته عن التحولات التراجيدية. والأمر الآخر هو العقلانية التي من الصعب الاحتفاظ بها حين يموت العقل وتتوهج الغرائز ومشاعر البغض والكراهية.
يقول: "من السهل أن نحمل السلاح، من الصعب أن نغلّب السلام".
قتل الطفلة
لكن سلميته، الممزوجة بنوع من الطيبة والتحضر، لن تنقذه، ولن يفلت مصيره الشخصي من مصير البلاد. سيذهب إلى "القصبة" ويسأل عن "زنقة الشيطان"، التي اضطرت زوجته وابنه أن يلجآ إلى مكان فيها، هرباً من المجازر. سينقذهما، وينقذ معهما العلاقة الزوجية التي كانت منهارة، لكي يعود الثلاثة إلى البيت.
بعد سنوات سيصبح الثلاثة أربعة، مع إنجاب الزوجة لطفلة يتعلق بها الأب. ذات يوم، فيما هي بصحبته، يعود متأخراً من قرية ضمن ما يعرف "بمثلث الرعب"، تتعطل سيارته. يحمل الطفلة على كتفه، ويظن أن بوسعه المبيت في أي بيت من بيوت القرية، بانتظار الصباح. سرعان ما ينتبه أنهما وقعا في فخ الشيطان، وأن القرية تم للتو، تصفية أهلها، على يد الإرهابيين الذين يحملون سيوفاً، ويركب "أمراؤهم" على أحصنة.
سيجزع، ويحضن البنت، ويهرب بها من مكان إلى آخر، من دون جدوى، إذ أن الإرهابيين سيلاحقونه في كل زاوية. وحين يعجز، ويصيبه اليأس، ينهار على ركبتيه، ويحضن بقوة أكبر صغيرته، راغباً بالدفاع عنها. يشد من قبضته على عنقها، ولا ينتبه أنه يزهق أنفاسها خطأ. ينظر إليه "أمير الإرهاب": لا تقتلوه، دعوا هذا الكلب يعيش ليروي ماذا رأى وماذا فعل؟
الجزائر تموج في بحر من الظلمات، والرجال الطيبون، الممانعون، الذين يحبون الورد ويزرعونه في الحدائق، يتم تقطيعهم ورميهم في أكياس بلاستيك في مستوعبات القمامة.
البحر والدماء
هكذا، قتلت الجزائر نفسها، حين اشتد الظلام، وانتشرت الفوضى. لتعاقب من تعقل ومن قرر البقاء على أرضها وعدم الهروب كما فعل كثر، ومن بينهم في الواقع الممثل الرئيسي في الفيلم، الذي قام بدور نور الدين، والذي استقر قبل شهور من بدء الأحداث في فرنسا.
بينما لم يغادر آنذاك الروائي ملال. وحين سأله صحافي من القناة الألمانية الفرنسية ARTE قبل عقد: "لماذا لم تترك الجزائر، رغم كل شيء؟"، رد عليه بالقول:" لأنني أعيش هناك، إنها مسألة جذور. هل ترى تلك المدينة التي أصيبت بالعطب كثيراً؟ إنها المدينة التي ولدت فيها. أعرف جيداً فرنسا. أتردد عليها باستمرار، وثقافتي فرنسية، لكنني غريب فيها، ولو تركت الجزائر، فهذا لا يعني أنني مهاجر، بل أنني مقبل على منفى. وفي المنافي، لا نكون، بعد الآن، أنفسنا. في المنفى لا نحصل على شيء".
منطق الروائي وضعه أيضاً في سيناريو فيلمه، الذي كتبه بالتشارك مع المخرج براهيمي، إذ يجعل البطل يتحدث عن هذا الأمر مع صديقه في بداية الفيلم. يسأله الصديق: "لماذا تبقى هنا، لا تهاجر إلى فرنسا؟ لا يمكن أن يكون قلبك فرنسي ورجلاك على شاطئ المتوسط، عليك أن تختار"، فيرد نور الدين: "لقد اخترت ، هنا". ليجيبه الصديق: "إذا أهلاً بك في الجزائر، بلد الشمس والمتوسط والدماء الكثيرة"!
لغة الإخراج
إخراجياً، من المبكر الجزم بلغة سينمائية خاصة بسالم براهيمي (له في الوثائقي فيلم "عبد القادر" عن سيرة عبد القادر الجزائري، كما في إنتاج سينما طويل مع "الكولونيل" و"خرطوش غولواز"). فأسلوبه السينمائي آمن وكلاسيكي، وهذا لا يعيبه، إذ لا يمكن، غالباً، التجريب واتباع أدوات أكثر أسلوبية، في فيلم عن الحرب والصراعات والدماء، مبني على رواية أصبحت كلاسيكية عن تلك الحقبة، ممتدة أحداثها على أكثر من عشر سنوات، على المخرج أن يختصرها في ساعة ونصف.
رغم ذلك، نراه في مشاهد، مثل رحلة بحث الزوج عن الزوجة في متاهات "القصبة"، يستخدم زوايا تصوير وحركة كاميرا نشطة تذكر بالوثائقي، كما أنه في التركيز على التفاصيل الصغيرة التي تحمل رسائل بإمكان المشاهد التقاطها، يعبر عن براعة، كما مشهد قيادة نور الدين لسيارته رجوعاً، بالعكس، هرباً من حاجز للإرهابيين، والذي بدا على وقع موسيقى إيريك نوفو المؤثرة (الموسيقى التصويرية عنصر رئيسي في الفيلم)، يعكس صورة معبرة ومرعبة عن رجوع الجزائر كلها إلى الخلف.
براكني وكاتب
أما في أداء الممثلين الرئيسيين، فقد نجحت رشيدة براكني، رغم أنها أقرب إلى الأسلوب الأوروبي الفرنسي في التمثيل، من أن تلعب دور الجزائرية الخائفة ببراعة، جسدتها بشكل مبهر في مشاهد عدة، كمشهد البكاء على صديق نور الدين الذي قطع الإرهابيون أوصاله، أو مشهد لقائها بالزوج لأول مرة بعد اختفائها مع الطفل في "القصبة".
ثمة مشهد آخر أدته ببراعة، حين تخبط على باب شقتها "نساء الدعوة" المنقبات، بعنف شديد، فلا تفتح، بل تعلي من صوت الموسيقى، على وقع أصواتهن المتصاعدة: "افتحي يا أختاه، نريد أن نهديك، أن ندخل إلى قلبك النور.. افتحي بوسعنا أن نساعدك، أن نؤمن لك مؤونة البيت". في هذا المشهد، الذي تحركت فيه براكني بقلق، في انحاء شقتها، قبل أن ينال منها الفزع، وأيضاً القوة والاصرار على عدم الخوف وفتح الباب، وتدبر حيلة الموسيقى لكي تصم بها أذناها عن الأصوات العنيفة، وكي ترسل عبر الموسيقى رسالة عن هويتها وأفكارها.. نرى تمثيلاً محترفاً يعرف كيف يوصل كل تلك المشاعر المتناقضة في وقت وجيز.
أما الممثل الرئيس أمازيغ كاتب (في الواقع هو ابن الروائي الجزائري الشهير كاتب ياسين)، فقد برع في تمثيل شخصية الإنسان العادي، ذو الطبع الهادئ والعقلاني، الممزوج بفردية ومزاج الأشخاص الذين يهربون إلى الكتابة في وقت الأزمات، وإن كان أداؤه للمشهد الأخير من الفيلم، حين يقتل طفلته خطأ، يحتمل نوعاً آخراً من الأداء، أكثر تعقيداً مما أظهره.
"أريد السعادة". "وما السعادة؟". "السعادة هي الحب". "الحب؟ ربما في وقت آخر!". حوار آخر في الفيلم.
الجدير ذكره أن الفيلم عرض في مهرجانات عالمية مثل "تورنتو السينمائي" و"دبي السينمائي 12" حيث نال جائزة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم روائي.





