هذه ليست المرة الأولى التي يطل فيها المخرج رون هوارد بفيلم قادر على الاستيطان في العقل، فهو صاحب «شيفرة دافينشي» (2006)، وله تحفة «فوريست/ نيكسون» (2008) و«العقل الجميل» (2001)، وها هو يطل مجدداً بفيلمه الجديد «في قلب البحر» (in the Heart of the Sea) الذي يدخلنا فيه بقلق نحو أعماق البحر، لنشهد غضب الحيتان وصراعها مع الإنسان وقدرتها على محاصرته، ليقدمها لنا بمشاهد جميلة، تبرز قدرته على إصابة المتفرج بالتوتر طيلة الفيلم، الذي سحب حتى الآن نحو 3 ملايين درهم من جيوب جمهور دور العرض المحلية.
يأخذنا هوارد في فيلمه إلى 1820، ليروي حكاية مجموعة بحارة، يقودهم القبطان جورج بولارد، يمخرون بسفينتهم عباب البحر برحلة لاصطياد الحيتان. تنجح المجموعة في اصطياد حوتها الأول على يد نائب القبطان «تشاس»، لتبدأ مواجهاتها مع حيتان أخرى، فيوجه الكابتن بولارد حربته نحو حوت العنبر الضخم، ليدخلنا بمغامرة جديدة، تقودهم ونحن، الجمهور، نحو المجهول، نشهد فيه دمار السفينة التي يضربها الحوت، ضارباً حصاره على ربانها ومجموعته، موقعاً فيهم خسارة فادحة، ليتيهوا بعرض البحر لفترة طويلة، لنشهد جنوحهم نحو ارتكاب فظائع بحق أنفسهم، اتقاءً لخطر الموت.
بداية هادئة
يبدأ هوارد بهدوء فيلمه، الذي اعتمد فيه على رواية الكاتب ناثانيال فيلبريك الصادرة في 2000، مستعيناً في مشاهده بطريقة السرد الروائي، بدءاً من لحظة وداع البحارة، ومروراً بالتعريف بالشخصيات ووصولاً للمواجهة مع الحيتان، لينجح خلالها بتنفيذ مشاهد قادره على إبقاء المشاهد متوتراً ومتيقظاً طيلة فترة الساعتين، التي حشاها المخرج بمشاهد تخلو من الملل واللقطات الصادمة التي عوضها بالتلميح، مراعياً فيها طريقة السرد، وغير غافل للراوي، وهو أصغر أفراد الطاقم، الذي كان يروي تفاصيل الرحلة لمؤلف رواية «موبي ديك».
استخدام هوارد طريقة السرد الروائي منحته المجال للتحكم بمَشاهِد الفيلم، واعطاء فرصة للجمهور لالتقاط أنفاسه بين كل مواجهة وأخرى، وهو ما أعطاه القدرة على تقديم مشاهد تكاد تفيض قلقاً وتوتراً، خاصة تلك التي تتعلق بمطاردة الحيتان واصطيادها، ومشهد تدمير السفينة، وأيضاً مشاهد التوهان بالبحر رغم إهماله بعضاً من تفاصيلها، ليعيد لذاكرتنا مشاهد من أفلام «تايتنك» لجيمس كاميرون، و«كل شيء ضائع» لجي. سي شاندور، و«لايف أوف باي» لانج لي.
في الفيلم، حافظ هوارد على خطوط واضحة للشخصيات التي أبدعها كل من اكريس هيمسوارث بدور «تشاس»، وسيليان مورفي بدور «جوي»، واللذان استحواذا على بطولة الفيلم، ليتفوقا على شخصية «القبطان جورج بولارد» التي جسدها بنجامين والكر، التي تفوق عليها أيضاً توم هولاند (شخصية توماس نيكرسون)، ليتمكن من فرض نفسه على المشاهد لاعباً فيها دوراً محورياً، عبر تجسيده حالتي الخوف والفرح.
اوسكار
كما شقت السفينة طريقها في عرض البحر، يشق هذا الفيلم طريقه نحو جائزة الأوسكار، حيث رشح لفئة أفضل فيلم، ليظل السؤال قائماً، هل سيتمكن من اقتناص الجائزة والتفوق على أفلام قوية مثل «جسر الجواسيس» و«مارشن» و«رووم»، أم أنه سيكتفي فقط بلقب «مرشح للاوسكار» كما حدث مع «انبروكن» و«كل شيء ضائع»؟.
