هل كان المخرج الفرنسي جاك أوديار قاسياً لهذه الدرجة عندما بدأ تنفيذ سيناريو فيلمه الأخير «ديبان»، أم أن ذلك جاء رغماً عنه، بحسب متطلبات السيناريو الذي يدخلنا جميعاً في دائرة الحرب الأهلية السيرلانكية ومنها نحو صفوف نمور التاميل؟ بلا شك أن اقتناص أوديار لقصة ذلك المهاجر «ديبان» بدا خطوة جريئة استحق عنها بجدارة سعفة كان الذهبية، ليأخذنا من خلال «ديبان» نحو الجحيم الذي يعيشه المهاجرون بعيداً عن أوطانهم المليئة بالحروب والموت.
في «ديبان» يعيد أوديار تجسيد حكاية مأساة مهاجري الحرب الأهلية بسيريلانكا، والتي كانت قد انطلقت بعمليات مسلحة لنمور التاميل، لتدخل البلاد برمتها في دوامة العنف والعنف المضاد المصحوب بانتهاكات حقوقية وجرائم حرب فظيعة من قبل طرفي النزاع، لتقدر قيمة الخسائر البشرية بأكثر من 50 ألف قتيل وأكثر من مليون لاجئ، في حين لم تضع المأساة أوزارها إلا بعد أن قتل الجيش السيرلانكي زعيم حركة نمور التاميل فيلوبيلاي برابهاكاران.
حياة جديدة
«ديبان» هو جندي خدم في صفوف نمور التاميل إبان الحرب الأهلية، إلا أنه يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بضرورة تخليه عن السلاح والهرب نحو فرنسا لتأسيس حياة جديدة، يرافقه في رحلته الفتاة ياليني التي تتخذ من الطفلة الايال جواز سفر لأجل العبور، ليتفق ديبان وياليني معاً على التظاهر أنهم اسرة واحدة ليتمكنوا من العبور لفرنسا، وفيها يعيشون في بيت واحد، ظاهرهم أسرة واحدة، وباطنهم فرادى، ليبدأ المخرج اوديار الغوص في عالمهم الصغير، حيث لا قاسم مشترك بينهم سوى أنهم غرباء عن وطنهم وما يحملوه من ذكرى وطن يصارع الموت.
حروب صغيرة
ما إن يحط «ديبان» في فرنسا، حتى يبدأ رحلة جديدة يحاول فيها العيش في «المستنقع» الذي وضع فيه، حيث يعيش في ضاحية نائية تعشش فيها أوكار تجار المخدرات، وفي عالمة الجديد يحاول «ديبان» العيش بسلام، الا أنه يجد نفسه متورطاً بحروب صغيرة مع الاخرين، ومع عائلته الجديدة، حيث وجد نفسه قريباً جداً من الطفلة التي تصبح جزءاً منه ويعاملها كابنته، يريد لها أن تتعلم وأن تذهب إلى المدرسة رغم صعوبة الاندماج، والأمر كذلك بالنسبة لـ «ياليني» التي أخذت علاقتهما تتطور بغية أن يصبحا زوجين في الواقع.
محاولات «ديبان» العيش بسلام لا تنجح كثيراً، فما إن تستنجد به «ياليني» عندما تجد نفسها محاصرة بين عصابتين لتجارة المخدرات، ورهينة بينهم، حتى نجده يتحول لشخص اخر، تماماً كما كان سابقا جندياً في صفوف نمور التاميل، فالحدث يوقظ غريزته الحربية لحماية حلم حياته بالاستقرار وتكوين عائلة حقيقية مع ياليني، ليصبح ديبان شخصاً تنعدم فيه الرحمة والإنسانية، وكأن لسان حاله يقول إنه سهل أن تكون قاتلاً ولكن من الصعب أن تصبح انساناً. ورغم مشاهد الحرب وقساوتها، إلا أن اوديار تمكن من توظيف ذكائه في اختيار اللقطات، كما في لقطة ظهور فيل من الأحراش ببطء شديد، والتي استخدمها مرتين بكثير من السحر والتوجس، كدلالة عن الالتزام والقوة، وكذلك الاعتدال والحكمة.

