فتاة من المغلوبين على أمرهم، ترتدي ملابس قديمة، تعصب رأسها بـ«إيشارب»، كما عادات الطبقة الدنيا، التي تعيش في مصر، تحمل على يدها «كتكوت»؛ وخلفية بسيطة تجسد شوارع إحدى الحارات القديمة التي تعيش فيها تلك الفتاة؛ هذه هي صورة أفيش الفيلم المصري «نوارة» الذي عرض في أيام مهرجان دبي السينمائي. فكرته بسيطة لكنها تحمل معاني كثيرة.

فبنظرة تأملية نجد أن الصورة تعكس الواقع الذي حلمت به الطبقة الدنيا في مصر بعد قيام ثورة 25 يناير، وما صاحب ذلك من آمال وأحلام بتوزيع عادل للثروات، وعدالة اجتماعية تذوب فيها الطبقات التي قسمت المجتمع إبان العقود التي كانت قبل ثورة يناير.

ولعل صورة «الكتكوت» هو ذلك الحلم الوردي الذي تحول فيما بعد إلى كابوس مزعج؛ فلا تزال تداعيات ثورة يناير مستمرة إلى الآن؛ مجتمع منقسم، واقع محبط، اقتصاد متردٍّ، ضباب سياسي.

ما بعد 25 يناير

بنظرة حيادية يغلب عليها الطابع الإنساني المليء بالأوجاع؛ رصد فيلم «نوارة» تبعات ثورة 25 يناير، والتغيرات التي طرأت على المجتمع المصري، وحجم المعاناة التي تعيشها الطبقة الفقيرة المغلوبة على أمرها. «نوارة» هي فتاة مكافحة يوجد منها الكثير في مجتمعاتنا؛ أحلامها بسيطة، متفائلة بالمستقبل، رغم صعوبة حياتها، ويومها المليء بالمشقات. بين الاعتناء بجدتها ووالد زوجها المستقبلي، وزحمة المواصلات والعمل كخادمة نجدها تبتسم وتحاول مساعدة كل من حولها.

تصفيق حاد

بعد انتهاء عرض الفيلم ضجت الصالة بالتصفيق الحاد إعجاباً بالعمل وفريقه الذي أثبت جدارته واحترافه، حيث جسدت المخرجة والمؤلفة، هالة خليل، الحالة التي تمر بها مصر قائلة: أنا كمؤلفة لا يمكن أن أتجاهل أحداث الثورة والظروف التي مرت بها مصر لأنها أصبحت جزءاً من حوارنا اليومي. وتضيف: بعد انتقالي للعيش في مجمع سكني هادئ، أصبحت أتأمل الطبقة التي تعيش فيه، وخادمات هذه الفلل والشقق الفاخرة، وتتابع: أيام الثورة غادر أصحاب الفلل خارج البلاد، وتركوها للخدم والبوابين لحراستها حتى رجوعهم مرة أخرى، وتشير إلى أن العمل ظل أكثر من سنتين يبحث عن منتج لأن أفلام الثورة لم تكن تستهوي المنتجين لتقديمها حتى قامت شركة ريد ستار بإنتاج أول أعمالها نوارة.

حقيقة الواقع

وعن النهاية المحبطة التي صاحبت الفيلم تقول: نقلت الواقع؛ فأنا أرفض أن أكذب على الجمهور، أو أجمّل الحقيقة بصورة مختلفة. وتضيف: أنا بالفعل محبطة مما نعيشه، ومما تعانيه الفئة المغلوبة على أمرها في مجتمعنا.

من ناحية أخرى تؤكد منة شلبي سعادتها بالفيلم، على الرغم من تخوفها من الدور، لأن شخصية نوارة التي قامت بتجسيدها تعد المحور الأساسي للعمل، فقد شعرت أنها تمثل للمرة الأولى، وبأن نوارة جزء منها. مشيرة إلى أنها لو كانت رفضت العمل لأنه «ثقيل» ويتحدث عن الثورة لشعرت بأنها عديمة الإحساس، لعدم شعورها بهذه الطبقة، لذلك قررت وبلا تردد بعد قراءة النص خوض هذه التجربة وملامسة هذه الأحداث عن قرب.

جدية وكوميديا

بين الجدية والكوميديا كان دور محمود حميدة الذي جسد شخصية «أسامة بيه» الذي صعد السلم الاجتماعي من أدني الدرجات إلى أرفعها وهو يعلم جيداً من خلال رحلة الصعود هذه أن تغيير التركيبة الاجتماعية أمر مستحيل. فهو يرى أنه إذا كانت الثورة قد قامت فإن القيامة لم تقم بعد، رغم اهتزاز معظم رجال الطبقة التي ينتمي لها، فهو رفض مغادرة مصر في البداية هو وابنته ولكن بعد اصرار زوجته وابنه الذي يعيش في لندن، غادر مصر هو وعائلته وهو غير راض عن ذلك.