عندما نقول إن السينما فن، فالمقصود أن العمل بجميع عناصره يعرض بأسلوب جميل مبدع، أسلوب مشوق يثير فضول المشاهد ويجعله متعاطفاً ومتأثراً ومهتماً بما يراه على الشاشة الفضية، وليس المقصود عملاً نراه يتفكك أمامنا، مشتتاً لا يعلم أين يتجه والأسوأ هو ثقة منفذ العمل في مادته رغم كل عيوبها.

نتحدث هنا عن فيلمSecrets in their Eyes  الأرجنتيني الأصل الفائز بالأوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي عام 2010، والذي تعيد هوليوود صناعته للجمهور الأميركي والعالمي، للعلم هوليوود لها تاريخ طويل في الإخفاقات في إعادة صنع الأفلام الأجنبية، ومن النادر جداً أن نرى فيلماً ناجحاً مقتبساً من عمل أجنبي.

راي (تشيويتيل إيجوفار) محقق في وحدة مكافحة الإرهاب يطلب من المدعي العام مارتن موراليس (ألفريد مولينا) ومساعدته كلير (نيكول كيدمان) إعادة فتح قضية من عام 2002 عندما يكتشف أدلة جديدة. القضية عن اغتصاب وقتل فتاة وإلقائها في القمامة، ونرى في المشهد راي يقترب من الجثة أولاً ليكتشف أنها ابنة زميلته جيس (جوليا روبرتس). تنهار الأخيرة وتنسحب لتعيش خارج المدينة، أو الأحرى خرجت من الفيلم لأن منفذ العمل بيلي راي ليس بحاجة إليها حتى يصل للنهاية!

يكتشف راي أن المشتبه فيه هو في الحقيقة مخبر للحكومة الأميركية وبالتالي فهو محمي ولا تريد الحكومة أن تخسره لأنه ذو قيمة عالية، خصوصاً في أجواء الرعب التي كانت سائدة عام 2002 بعد أشهر قليلة من هجمات سبتمبر الإرهابية.
الفيلم مكون من خطين زمنيين، الأول في الزمن الحالي والثاني فلاشباك في عام 2002 عندما وقعت الجريمة والفيلم ينتقل بينهما دون سلاسة حتى يشعر المشاهد بالضجر. لا نعرف أيهما غير ضروري نيكول كيدمان في دور فاقد للمصداقية أم جوليا روبرتس التي تغيب عن نصف الفيلم لتعود في النهاية وتفجر مفاجأة يخمنها المشاهد المتمرس حتى وهو نائم.

الفيلم يفتقد لعنصر التشويق، ويحوي كل العناصر التي تجعل منه فيلماً رديئاً مليئاً بالكليشيهات. ولو بدأنا بالقصة لوجدنا أن أجزاء كثيرة منها مستعارة من قصص المسلسلات البوليسية التلفزيونية الأميركية مثلCSI  وWithout a Trace ، خصوصاً أن علاقة الأم والابنة أصبحت مستهلكة تلفزيونياً ولم يعد لها صدى.

مشكلة أخرى أن الفيلم يتعامل مع المشاهد كأنه غبي، فيخبره بالمعلومة أكثر من مرة، فسنكتفي مثلاً بمشهد راي يقول لإحدى الشخصيات إنه صديق لعائلة جيس لنفهم دوافع قراره إعادة فتح القضية، ولسنا بحاجة لمشهد كامل نرى فيه جيس وابنتها وراي يمزحون مع بعضهم بعضاً.

مثال آخر: نعلم تماماً أن أي امرأة ستحزن بشدة لمقتل ابنتها ويكفينا مشاهد بكاء وغضب جوليا روبرتس في الفيلم، لكن ما نستغربه إصرار منفذ العمل بيلي راي على إقحام مشاهد فلاشباك للأم وابنتها وهما تتجاذبان أطراف الحديث.

ثم هل يعقل أن مساعدة المدعي العام تظهر بصورة سطحية للغاية كامرأة غاية في الأناقة، فاتنة تتمتع بقوام رشيق وجمال أخاذ تبدو أقرب إلى النموذج المستخدم في دعايات العطور منه إلى موظفة حكومية! والأغرب من ذلك أنها بالفعل تستغل هذا العامل للإيقاع بالمشتبه! وهو ما يصيب مصداقية الشخصية والفيلم في مقتل!
فضلاً عن مشهد آخر (من المفترض أن نصدقه) لشخصية في وحدة مكافحة الإرهاب تقتل شخصية أخرى خفاء بمسدس دون استخدام كاتم الصوت في مكان عام تمر بالقرب منه سيارات. 

الفيلم يحوي نهايتين ويبدو أن منفذ العمل بيلي راي وضع الأولى، ثم قرر إثبات أنه يستطيع الإتيان بأفضل منها، فكتب نهاية أخرى فأعجبته أيضاً، فقرر وضع النهايتين معاً ظاناً أنه صنع تحفة فنية! لكنه في الحقيقة نسف عمله بأكمله لسبب واحد: علاقة الأم والابنة تجعل دوافع الأم شخصية، وهو أي بيلي راي لا يتوقف عن تلميحاته كأن المشاهد لن يستطيع تخمين ما ستفعله الأم رغم شدة وضوحه ثم إن النهاية الثانية هي القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لمصداقية الفيلم لأنها أضعف من الأولى ولا تصلح إلا أن تكون في فيلم آخر.

لا نعلم ما الذي يجعل نجمتين مثل جوليا روبرتس ونيكول كيدمان تظهران في فيلم رديء كهذا؟ هل هي مسألة أجور فقط دون الاهتمام بجودة النص؟ أم أن الطلب عليهما قل كثيراً فوافقتا على الظهور في أي فيلم يعرض عليهما!