يأخذ الفيلم الروائي العربي «المنعطف» للمخرج الأردني رفقي عساف الذي عرض أمس ضمن مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة، إلى منعطف جديد سواء على المستوى الفني لصناعة السينما أو على مستوى البعد الإنساني الذي يشكل إضافة نوعية لعالمه الداخلي، ليخرج من العرض في حالة من التأمل العميق.

وتبدأ هذه الحالة بتكامل الفعل بين حركة الكاميرا وأداء الممثلين التعبيري والموسيقى التي تختزل العديد من الحوارات، والتي تهيئ المشاهد لأجواء العمل من المشهد الأول لشروق الشمس، ليذهب باتجاه عالم راضي (أشرف برهوم) الذي يعيش داخل عالمه الخاص في سيارة «ميني فان» ليبدأ التفاعل الدرامي الصامت بفعل أسلوب الإضاءة الفني على تعابير راضي التي تحمل الكثير من الشجن الإنساني الداخلي المنضبط بإيقاعه الروتيني في صومعته الضيقة الحافلة بالكتب وبتفاصيل حياته اليومية.

راضي وليلى

وينقلنا المخرج إلى إيقاع الحياة الخارجية عبر خروج ليلى (فاتنة ليلى) الشابة من أحد بيوت العشوائيات وهي تحمل حقيبة ملابسها، لينم أسلوبها في المشي وملامحها عن حالة توتر عالية تأخذها إلى كراجات السيارات المتوجهة من الأردن إلى الشام. وباندفاعها لمغادرة البلد تطلب من السائق المغادرة دون انتظار المزيد من الركاب على أن تدفع له المزيد من المال.

ويسوقها القدر والمشاهد إلى الحدث الدرامي الذي عالجه المخرج برؤية فنية كما الحوار الموسيقي بين شهرزاد وشهريار في مقطوعة «شهرزاد» لريمسكي كورساكوف، ليعتمد المخرج حوار الصورة السينمائية بين إيقاع راضي الهادئ وإيقاع رحلة ليلى في السيارة السريعة ليصل الحوار ذروته بصرير مكابح السيارة واستغاثة ليلى من محاولة السائق ومعاونه لاغتصابها في منطقة نائية.

حيث «ميني فان» راضي. وينضم الثنائي في حوار الكاميرا الجديد ليتقاطع مع شاب (مازن معضم تتعطل سيارته على قارعة الطريق فينضم إليهما، وليتقاطعوا في مشهد كوميدي آسر بعفويته مع رجل الأمن (أشرف طلفاح).

مشاهد تغريبية

وعلى غرار السينما الإيطالية في الخمسينيات والفرنسية المستقلة، يتجلى عنصر التشويق في مشاهد متفرقة تثير حيرة المشاهد، بداية بشخصية ليلى التي تتجاوز فزع محاولة اغتصابها بسرعة غير مبررة، لتبدو شخصية مرحة جريئة معاكسة لراضي الخجول المنطوي على نفسه.

كذلك بعض المشاهد التغريبية الأخرى مثل صوت لهاث أنفاس مريض يقاد دون رؤيته عبر ممرات بيضاء متداخلة لمستشفى ما، ومشهد لراضي على سرير مستشفى وبجواره ليلى وآخر، لتكشف النهاية مبررات تلك المشاهد.

وتتجلى القيمة الفنية في هذا الفيلم، بجمالية الحالة البصرية الموسيقية الإنسانية التي يعيشها المشاهد والتي تشكل حالة من الإشباع الروحي لتبدو أحداث القصة ثانوية أمامها، كذلك قدرة المخرج على ضبط وتحويل الألم التراجيدي الذي يعيشه أبطاله إلى حالة إنسانية شفيفة لا تستنزف مشاعر المشاهد بقدر إيصال عمقها الإنساني الذي يتماهى فيه بأمان.

المخرج والفريق

وليس بالغريب على العاملين في فيلم بهذه القيمة الفنية والجمالية أن يبادروا في بداية اللقاء الصحافي معهم بالسؤال عن الانطباع العام الذي تركه الفيلم لدى محاورهم، بدلاً من استعراض تجربتهم ومهاراتهم والنجومية التي حققوها أو يطمحون لها.

يقول المخرج عساف في بداية اللقاء: «تطلب مني إنجاز الفيلم ست سنوات وذلك إما بهدف بلورة رؤية الفيلم أو نتيجة صعوبات في التمويل والتي تجاوزناها بفضل المنتجة رولا حافظ وزملاء آخرين. أما القيمة الفنية للعمل فهي نابعة من الحالة الوجدانية التي عشتها والتي جسدتها شخصية راضي، حيث حاولت من خلالها مواجهة ألم الفقدان ومصادقته».

وتقول فاتنة ليلى الممثلة السورية التي شاركت في العديد من المسلسلات التلفزيونية: «هذا العمل يعني لي الكثير، فهو الذي أتاح لي إظهار قدراتي وموهبتي كممثلة، ومشاهدتي له بالأمس مع الجمهور كان بمثابة امتحان قاس بالنسبة لي خاصة وأني أنتقد نفسي بقسوة».

ويحكي الممثل أشرف برهوم الذي شارك بأفلام عالمية آخرها الفيلم الهوليوودي «المملكة»: «أحببت شخصية راضي خاصة وأن فيها شيئاً منا كالحاجة إلى العزلة والانكفاء على النفس بين الحين والآخر، وأهمية الوعي بهذه الجزئية لدى البحث في أبعاد الشخصية».