عودنا صانع الأفلام الأميركي رون هاوارد الحائز على جائزة الأوسكار عام 2002 عن فيلمهA Beautiful Mind على نوعين من الأفلام، الأول هو المثير للجدل، والثاني يجعل المشاهد مهتماً لاكتمال عناصره وتفاعلها، لكننا أحيانا نكتشف أن له نوع ثالث بإمكاننا تسميته أفلام نصف ناضجة.


بمعنى أن هناك فكرة أو أفكار جيدة في النص تجاهلها هاوارد عمداً أو سهوا وانصرف ليصنع الفيلم كأن كل هدفه الانتهاء منه وتسليمه للاستوديو. وفيلمنا هذا يندرج في هذه الخانة.

لو رجعنا بالذاكرة للوراء لنرى آخر فيلم لهاوارد سنجدRush عام 2013، عن بطلي سباق الفورمولا جيمس هانت ونيكي لاودا في سبعينات القرن الماضي. ما يميز ذلك الفيلم هو بالضبط ما ينقص هذا وهو التفاعل بين ممثليه. فيلمIn the Heart of the Sea أو "في عرض البحر" مقتبس من كتاب المؤلف الأميركي ناثانيال فيلبريك بالاسم نفسه عن قصة السفينة ويلينغ شيب إسيكس التي غرقت عام 1820 وتقطعت السبل ببحاريها في المحيط الأطلسي.


رحلة صيد

خرجت مجموعة بحارين في رحلة صيد حيتان لغرض استخراج زيوت منها والمتاجرة بها. قبطان السفينة كابتن بولارد (بنجامين ووكر) يفتقد للكفاءات المطلوبة ليكون ربانا للسفينة لكنه يصبح القبطان بسبب نفوذ عائلته، بينما المؤهل بالفعل للقيادة هو أوين تشيس (ليام هيمسوورث) لكن الأول ينحي الثاني جانباً.

بعد نجاحهم في اصطياد حوت، تنقلب الأمور رأساً على عقب بهجوم حيتان أخرى عليهم تحطم سفينتهم ما يتسبب في ضياعهم في البحر وبقائهم بلا مؤونة 90 يوم.


مشكلة

بداية، لدينا مشكلة في هذا النوع من الأفلام المصنفة ضمن أفلام "النجاة" أو كما يحلو للبعض تسميتها "الإنسان ضد الطبيعة"، والمشكلة أنها استهلكت للغاية خلال الخمس عشرة عام الماضية لدرجة أن لا هاوارد ولا نجمه هيمسوورث استطاعا إنقاذ الفيلم والعبور به إلى بر الأمان.

مشكلة ثانية أن الفيلم افتقد وجود الصراع المطلوب بين قطبيه التمثيليين (هيمسوورث ووكر من جهة وتوم هولاند رجل العنكبوت الجديد مستقبلا من جهة أخرى)، فشخصياتهما في الفيلم متضادة أي أن البهارات متوفرة لكن هاوارد لم يضفها إلى طبخته، وبالتالي انطلق الفيلم ضعيفا واستمر كذلك حتى وهو في ذروته، والنتيجة أننا كمشاهدين لا نهتم بأي شخصية ونكتفي بالتنهد والنظر إلى ساعاتنا بانتظار النهاية. للعلم أن من أقوى عناصر فيلم Rush كان الصراع الساخن جداً بين الشخصيتين والذي انعكس بقوة على الممثلين- كان أحدهما هيمسوورث نفسه-  لكن الأخير كجسد وصوت كان طاغيا على الجميع.


إهمال
وأيضاً رصدنا مشكلة ثالثة ظهرت بعد منتصف الفيلم وهي كيف تمكنت شخصيات (الفيلم وليس القصة الأصلية) من العيش لسنة في البحر دون أن نرى لهم سوى مشهدين وهم يأكلون. هذه الجزئية تحديداً أهملها هاوارد بصورة غريبة رغم أنها تتعلق بمصداقية القصة. عملياً، الشخصيات وجدت شيئاً مقززا لتأكله لكن أيضاً ذلك لا يكفي للبقاء كل تلك المدة بلا طعام في عرض البحر.

ومشكلة رابعة، الفيلم غير متوازن فهو يبدأ كدراما ثم يتحول إلى فيلم مغامرات من الدرجة الثانية قبل أن يعود للدراما ويختم بها. وهنا اللوم يقع على هوارد الذي كانت لديه أدوات جاهزة في القصة لتغطية عيوب النص ولم يستخدمها مطلقاً، وفضل عليها توظيف الكاميرا والمؤثرات الخاصة في رصد مشاهده من زوايا بعضها كان جميلاً بالفعل، لكنها لم تجد نفعاً لتحسين الجزء الذي كان من المفترض أن يكون الأقوى.


توازن
عدم التوازن هذا ينسحب على الشخصيات، فبعد مشهد اصطياد الحوت الأول وقتله لاستخراج الزيت منه، تندم تلك الشخصيات على فعلتها ما يتناقض تماماً مع هدفها المعلن ما أضر كثيراً بمصداقية الأداء. وهذا الجزء الغريب غير مقنع ويبدو كأنه من فيلم آخر تم إقحامه هنا بطلب من جماعات الضغط الصديقة للبيئة!
وهذا يقودنا لمشهد آخر مهيب لكنه غير منطقي، نعم من الممكن التصديق أن الحوت دمر السفينة، لكن لا نفهم إصرار الفيلم على تصويره كوحش "غودزيلا" الأسطوري يرفع ذيله ويهوي به على السفينة، ما يدل على أنه لا يتصرف بالغريزة بل وفقا لأوامر صانعي المؤثرات الخاصة.


خيبة أمل
لا شك أن رون هاوارد صانع أفلام متميز لكن الظروف أحيانا تخونه، ونفاجأ بأفلام متوسطة أو حتى ضعيفة يكون هو وراءها، ولا ننكر أن اسم هاوارد كان سببا رئيسا لمشاهدتنا هذا الفيلم المخيب للآمال.