صنع المخرج الأميركي هاوارد هوكس، فيلمين متشابهين لدرجة كبيرة، أدى بطولتهما الممثل الأميركي الراحل جون وين، كان الأول «ريو برافو» عام 1959، والثاني «إلدورادو» عام 1966، وعندما أرسل هوكس نص فيلم «ريو لوبو»، وهو يشبه الفيلمين السابقين إلى حد ما، إلى وين عام 1970، قال الأخير جملته الشهيرة: «قبلت الدور لكني لست بحاجة لقراءته».
صانع الأفلام الأميركي الشهير جون كاربتنر، استلهم جزءاً من قصة فيلمه الكلاسيكي الشهير Assault on Precinct 13، أو الاعتداء على مركز الشرطة 13، عام 1976 من فيلم ريو برافو، والجزء الآخر من فيلم الزومبي الشهير Night of The Living Dead عام 1968. حقق فيلم كاربنتر نجاحاً كبيراً، ويعتبر من أفضل الأمثلة على الأفلام المدرجة ضمن خانة Exploitation، كون صانعه كاربنتر استغل بذكاء قصص أفلام الغرب الأميركي، ووظفها في قالبه الخاص وبميزانية ضئيلة.
فيلم كاربتنر عام 1976 عن عصابة تحاصر مركز شرطة أندرسون، وهو رقم 13، في ليلة إخلائه لينقل إلى موقع آخر. لدينا ثلاث قصص تجري في وقت واحد، وكلها تنتهي بالحصار، وهنا تتجلى عبقرية كاربنتر في صنع أجواء التشويق في القصة. إيثان بيشوب (أوستن ستوكر)، ضابط حصل على ترقية، وعليه أن يترأس عملية إخلاء المركز 13.
في القصة الثانية، نرى ضابطاً يدعى ستاركر (تشارلز سايفرز)، يقود عملية نقل سجناء أحدهم مريض، فيضطر للتوقف في المركز 13 لتلقي العلاج. ولدينا في القصة الثالثة، وهي الأهم رغم بساطتها، رجل يدعى لوسون (مارتن ويست)، تتعرض ابنته للقتل على يد عصابة من الرعاع، فينتقم لمقتلها، ويهرب ثم يلجأ للمركز 13، حيث تحاصر العصابة المركز وتبدأ أحداث الفيلم.
هذه الأفلام من جهة لا تحوي تطورات، إذ تغيب القصة، وتتحول إلى حصار تتخلله حرب بين طرفين: المهاجمون والمدافعون، ومن جهة أخرى، فإنها تحوي معادلة تنقلب من خلال مشهد واحد. على سبيل المثال، الضابط بيشوب يحاول حماية المجتمع الخارجي من الخطر، بإبقاء السجناء مقيدين في زنزاناتهم، لكن تنقلب المعادلة بدخول لوسون إلى المركز 13، الذي تحاصره العصابات، وعندها يضطر رئيس المركز بيشوب إلى حماية نفسه وزملائه والسجناء من الخطر الخارجي، المتمثل بهجوم العصابات، خصوصاً بعد قرار بيشوب الجريء بتسليح سجنائه.
العصابات في الفيلم همجية، لا حوارات لها، وبالكاد نرى وجوه أفرادها، وهذه الجزئية تحديداً هي استعارة كاربنتر من فيلم الزومبي الشهير Night of The Living Dead، حيث يظهر أفراد العصابة كالزومبي، لا هوية لهم، ولا هدف سوى القتل. لكن تلك هي أيضاً مشكلة، إذ اتهم كاربنتر بوضع تلك الطبقة من المجتمع في إطار نمطي.
الفيلم من كلاسيكيات السينما الأميركية في القرن العشرين، وتمت إعادته وتحديثه عام 2005، تحت إدارة الفرنسي جون فرنسوا ريشيه، حيث نرى الفكرة نفسها، لكن بإضافة الكثير من التغييرات على القصة والحوارات، ما جعله متناسباً أكثر مع التيار السينمائي السائد وقتها.
تتبدل الأدوار في الفيلم المحدث، إذ نرى بيشوب (لورانس فيشبورن)، وهو أهم شخصية في هذا الفيلم، في دور المجرم ومن ذوي البشرة السمراء، والشرطي روينك (إيثان هوك)، من البيض (كان الأمر معكوساً في فيلم كاربنتر). يلقى القبض على بيشوب بسبب قتله شرطياً، ثم ينقل إلى السجن، لكن تهب عاصفة ثلجية في ليلة رأس السنة، ويضطر السائق للتوقف في المركز رقم 13، الذي تحاصره فرقة مدججة بالأسلحة الثقيلة، يتضح في ما بعد أنهم رجال شرطة فاسدون، كانوا على علاقة مع بيشوب، ويريدون قتله كي يمنعوه من الشهادة ضدهم في المحكمة.
ريشيه زاد جرعة الحركة في فيلمه، فنراه يركز كثيراً في التفاصيل ورسم مشاهد المعارك، ودفع الشرطي روينك للخروج من المركز للتصادم مع أعدائه عند عتبة الباب، مخالفاً منهج كاربنتر في الفيلم الأصلي، لكنه نجح في إضفاء التشويق في الفيلم. ريشيه أيضاً ألغى قصة لوسون والد الطفلة المقتولة، وبدلاً منه أضاف شخصيات تعكس التنوع العرقي والثقافي. الفيلم المحدث مليء بمشاهد المواجهة بين الطرفين وبأسلحة حديثة وقنابل المولوتوف، ما حوله إلى فيلم حربي بالدرجة الأولى. خيار ريشيه وكاتبه جيمس ديموناكو بجعل شرطة فاسدة أعداء لأبطال الفيلم، قد يرمز لفساد السلطة، وهو موضوع متجدد تناولته هوليوود منذ تسعينيات القرن الماضي. المهاجمون هنا، كنظرائهم في الفيلم السابق، لا نرى وجوههم، لأنهم مقنعون أو يرتدون خوذاً أو نظارات رؤية ليلية، لكن بعكس فيلم كاربنتر، لدينا شخصية شريرة واضحة، النقيب ماركوس دوفال، تترأس فريق المهاجمين، ويؤديها الممثل الأميركي غابرييل بايرن.
دوفال لديه مبرر لعمليته، إذ يقول: «فلنهاجم المركز ونقتل بيشوب، ولو اضطررنا لقتل كل من فيه، لا يهم كلهم أفراد شرطة، وليسوا مدنيين». وجهة نظر دوفال حولت خصومه المتحصنين في المركز 13 إلى سجناء سياسيين، لأنهم أولاً يختلفون مع دوفال على مطلبه الأساسي، وهو تسليم بيشوب، فهم اختاروا محاربته لأنه شرطي فاسد، وليس دفاعاً عن بيشوب. من ناحية الأداء، جاء الفيلم الأول بتمثيل كان أغلبه مضحكاً، وحوارات مبتذلة بعض الشيء، بينما تمكن الفيلم المطور من سد هذه الثغرة بنجاح.
السبب يتعلق بمحدودية الميزانية التي رصدها كاربنتر للفيلم، خصوصاً أنه كصانع أفلام، لم يكن معروفاً آنذاك. فيلم 1976 تجاوز الشخصية الأهم (لوسون)، وركز على تحالف الشرطي والسجين، ووزع المشاهد بطريقة عادلة على معظم الشخصيات، إلى درجة لم نشعر معها بوجود شخصية مركزية. هذا الأمر لا ينسحب على فيلم 2005، إذ إن لورينس فيشبورن (بيشوب) يستحوذ على المشاهد من جميع الممثلين الذين يتقاسمون معه الشاشة، بما فيهم هوك.
السبب يعود لقوة حضور فيشبورن على الشاشة وقتها، فمنذ 10 أعوام، كان هذا الممثل في عهده الذهبي، إذ ظهر مع كيانو ريفز في ثلاثية ذا ميتريكس. بينما هوك نادر الظهور في أفلام الحركة والإثارة، ونراه غالباً في أفلام مستقلة، وهذا ليس تقليلاً من شأنه، لكن في فيلم من هذا الصنف، هوك لن يبرز بسهولة بوجود ممثل بحجم فيشبورن معه.
الهجوم على المركز 13، لاقى إعجاباً منقطع النظير، أما النسخة المطورة، فلم تحز على نفس درجة الإعجاب، رغم أنها أقوى تنفيذاً، وأكثر ظلامية وكآبة في مشاهدها وشخصيتها الشريرة.
100
ألف دولار ميزانية فيلم Assault on Precinct 13عام 1976
150
ألف دولار عائدات الفيلم الأصلي وهو منخفض بسبب الحملة الإعلامية السلبية ضده في أميركا
30
مليون دولار ميزانية النسخة المجددة من الفيلم عام 2005
35
مليون دولار عائدات النسخة المطورة ما يعد إخفاقاً تجارياً









