بوفاة ويس كريفن فقدت السينما الأميركية أهم رائد لأفلام الرعب، فهو لم يكن مجرد مخرج عادي تستدعيه استوديوهات هوليوود، لتنفيذ فيلم وقبض أجر ثم الرحيل. بل كان مجدداً وذا رؤية سينمائية مميزة وثاقبة، تركت بصمة عميقة على مدى أربعة عقود.

ولعل أكثر فيلمين مرتبطين باسمه هما A Nightmare on Elm Street عام 1984، وسلسلة أفلام «الصرخة» Scream من 1996 إلى 2011. ولد ويس كريفن عام 1939 لأم متدينة وأب ذي نزعات عنيفة، درس الأدب الإنجليزي وعلم النفس في جامعة إلينوي، وحصل على ماجستير في الكتابة والفلسفة من جامعة جون هوبكنز. بعد وظيفة تدريسية بسيطة في الجامعة، انتقل كريفن إلى صناعة الأفلام كفني صوت في نيويورك.

البداية

تأثر كريفن بأفلام الجريمة التي ظهرت في عقدي الخمسينيات والستينيات، وكان أكثرها تأثيراً فيه الفيلم السويدي Virgin Spring عام 1960 لإنغمار بيرغمان، والذي اقتبس كريفن منه عندما صنع فيلمه الأول Last House on the Left عام 1972، وهو الفيلم الذي يعود له الفضل في بزوغ المخرج الشاب آنذاك.

الفيلم من كتابة وإنتاج وإخراج كريفن، وميزانيته ضئيلة، وصنف ضمن أفلام Exploitation، وهي اصطلاحاً أفلام تستغل أحد الاتجاهات السائدة في السينما ليكون موضوعاً لها، وتصنع نجاحاً مالياً من خلاله، وعادة ما تكون أفلام درجة ثانية، لكن لو نجحت قد تحصل على إشادات عالمية، وتصنع فارقاً يؤهلها لأخذ مكانها في التاريخ.

موضوع الفيلم عن اعتداء على فتاة وقتلها من قبل مهاجمين، ينتهي بهم المطاف في بيتها، حيث يتم الانتقام منهم. الفيلم تمت إعادته عام 2009 بممثلين جدد وميزانية أكبر من تلك المخصصة للفيلم الأصلي، وحقق عائدات مالية جيدة.

النجاح الثاني

عام 1977 سجل النجاح الثاني للمخرج كريفن بالفيلم الكلاسيكي The Hills have Eyes، عن عائلة تتقطع بها السبل في صحراء نيفادا، لتهاجمهم عائلة من المجانين المتوحشين. الفيلم دخل ضمن ما يعرف بـ Cult Classics، وهي اصطلاحاً أفلام تحقق نجاحاً كبيراً، وتخلق قاعدة ضخمة من المعجبين الذين يتأثرون بالقصة والشخصيات، إلى درجة التشبه بهم في المظهر.

الفيلم أعيد صنعه في 2006، وحقق نجاحاً مالياً كبيراً من ميزانية متواضعة. مع نهاية السبعينيات ودخول الثمانينيات، خرج كريفن من منطقته ودخل في الخيال العلمي من خلال فيلم Swamp Thing عام 1982، والذي أعجب النقاد إلى حد ما، لكن لم يعجب الجمهور.

عصر ذهبي

عام 1984، تمكن كريفن من صنع الفارق بعودته إلى أفلام الرعب من جديد، من خلال فيلم كان بمثابة الأيقونة التي رسمت ملامح عصر ذهبي جديد لذلك الصنف، وهو A Nightmare on Elm Street، الفيلم لم يكن مبتكراً على صعيد القصة فحسب، بل حتى شخصيته الشريرة أصبحت الأشهر في تاريخ سينما الرعب «فريدي كروغر»، الذي أداه ببراعة تستحق الثناء، الممثل روبرت إنجلند.

فريدي كروغر رجل مشوه الوجه، أصابعه كالسكاكين، يظهر في أحلام شخصيات الفيلم ويطاردها من الحلم إلى الحقيقة ليقتلها فيها. الفيلم يتلاعب كثيراً بتوقعات المشاهد، من خلال رسم خط رفيع بين الحلم والحقيقة، فلا يعرف المشاهد ما الذي يشاهده، أهو حلم أم حقيقة، ويستمر كذلك حتى المشهد الأخير.

يمزج الفيلم بين فكرة المس الشيطاني Demonic Possession، وفكرة Slasher film، أي القتل طعناً أو بتقطيع الجسم بالسكين الحادة، وهو ما أصبح يشكل اتجاهاً فرعياً ضمن أفلام الرعب في السينما الأميركية الحديثة.

أجزاء لاحقة

أعجبت هوليوود كثيراً بالفيلم، فلم تتوان في إنتاج 6 أجزاء لاحقة طوال عقد الثمانينيات، تحت إدارة عدة مخرجين، وباستخدام نفس الشخصية والممثل، إلا أنها جميعاً باءت بالفشل.

يذكر أن هناك فيلماً استخدم شخصية كروغر مقابل شخصية جيسن الشرير من فيلم Friday the 13th عام 1980، وهو من أنجح أفلام عقد الثمانينيات، في فيلم أنتج عام 2010، بعنوان Freddy VS Jason، في ما يعرف في هوليوود بأفلام الالتقاء أو Crossover.

في الوقت الذي أصبح فيه فريدي كروغر أيقونة في ثقافة البوب الأميركية، تحول كريفن إلى أسطورة «هيتشكوكية» في أفلام الرعب، خصوصاً مع طرحه فيلم The Serpant And the Rainbow عام 1988، وهو عن باحث جامعي يحقق في أسرار عالم السحر، ليكتشف زومبي أعيد بعثه عن طريق سحر الفودو في هاييتي. الفيلم كان محاولة ابتعاد كريفن عن أفلام Slasher، لكن ابتعاده لم يدم طويلاً، إذ عاد في 1994 إلى الصنف بفيلم New Nightmare، وهو إعادة تعريف لفيلم A Nightmare on Elm Street، لكن بطريقة مبتكرة.

الفيلم من صنف Meta-horror، وهو اصطلاحاً، أفلام تضع شخصياتها الخيالية في قالب واقعي، لتعيش وتتفاعل مع صناع الفيلم. وفي هذا الفيلم، يأتي كريفن بفريدي كروغر، ليهاجم صناع الفيلم أنفسهم. الفيلم حقق نجاحاً لا بأس به، وهو الفيلم السابع في السلسلة، وأتى بعد 10 أعوام تماماً من الفيلم الأصلي.

إعادة ابتكار

كما كانت الثمانينيات، عقد كريفن بامتياز في سينما الرعب، كذلك هي التسعينيات، ففي 1996، وللمرة الثانية، أعاد ويس كريفن ابتكار الرعب كصنف سينمائي للجيل الجديد بفيلم «الصرخة» Scream، وهو فيلم عن تأثر جيل من المراهقين بأفلام الرعب، حتى في حواراته التي كتبها بذكاء كيفن ويليامسن.

يتناول العمل أفلام كريفن السابقة، ويذكر فيه فريدي كروغر على وجه الخصوص. الفيلم امتد إلى 4 أجزاء، كان آخرها عام 2011.

الفيلمان الأخيران

في الفترة الفاصلة بين أفلام "الصرخة" الأربعة، خرج كريفن من الرعب تماما عندما أخرج فيلم دراما موسيقية مع النجمة ميريل ستريب بعنوان Music of the Heart عام 1999 الفيلم الذي ترشحت عنه ستريب لجائزة أوسكار.

 أخرج كريفن في 2005، فيلم إثارة بعنوان Red Eye، فيلم ذو طابع «هيتشكوكي» بامتياز، عن مديرة حجوزات في فندق تتعرض لتهديد بقتل والدها من قبل عميل مخابرات يركب بجانبها في طائرة، ويطلب منها تغيير غرفة أحد نزلائها من الشخصيات الهامة، بإعطائه غرفة مطلة على بحيرة لتسهيل عملية اغتياله.

الفيلمان الأخيران لكريفن كانا My Soul to take في 2010 وScream 4 عام 2011، ولم يحققا أي نجاح يذكر.

 ويس كريفن كان أعظم مخرج رعب أميركي في تاريخ السينما الأميركية المعاصرة حتى موته. صانع أفلام استغل الرعب الوجداني الكامن في ثقافة العنف السائدة في المجتمع الأميركي، كقضية متجددة، في أفلامه على مدى أربعة عقود.