حين يتحدث صناع السينما الإماراتية عنها، تتهادى إلى أسماعنا نبرة حزينة، تمتزج فيها الحسرة بالألم، لا سيما أنها رغم الجهود، التي يقوم بها أصحابها، لا تزال النظرة إليها قاصرة، فالمقارنة بينها وبين غيرها يظلمها، ويبرز جوانب الضعف فيها، وهو ما لا يعيه الجمهور، الذي يطعنها بقسوة، ليقضي على كل رغبة في تقديم ما هو أفضل.

«البيان» تواصلت مع عدد من المخرجين السينمائيين، الذين عبروا عن معاناتهم من ظلم الجمهور للفيلم المحلي، لتبقى مقاعد دور العرض خالية، رغم وصول الفيلم لشاشاتها، ما يجعله غريباً في داره، مؤكدين وجود أزمة ثقة، ومطالبين بالتعامل مع السينما المحلية بوعي أكبر، وملقين باللوم- في الوقت نفسه- على مستوى ما يعرض، ومشددين على ضرورة مراعاة أقصى معايير الجودة في تقديمها.

«المنتَج المحلي يعاني أزمة ثقة»، هذا ما أكده المخرج وليد الشحي، مشيراً إلى أن الجمهور لا يمتلك ثقافة السينما، وأن الفيلم المحلي غريب في داره ويعاني أزمة ثقة تسبقها أزمة ثقافية وفكرية، لافتاً إلى أن السينما الإماراتية مهجورة من قبل الجمهور، وقال: أصبح الجمهور ينتظر نوعية معينة من الأفلام، بناء على خبرة طويلة تكونت لديه، من خلال تعامله مع أفلام هوليوود، وحين يرى فيلماً لا تتوافر فيه المواصفات الهوليوودية لا يشعر بالإشباع.

وأشار الشحي إلى أن ندرة الأفلام المقدمة يزيد صعوبة الأمر، وقال: يحتاج الجمهور لأن يرى ويتابع الفيلم المحلي، ودورنا كوننا صناع أفلام إماراتيين يكمن في إجبار الجمهور على مشاهدة هذه الأفلام، من خلال تقديم عدد جيد منها، وعرضها في دور السينما، وحبذا لو تم عرضها على شاشات التلفزيون، بعد عرضها في صالات السينما.

وذكر الشحي أن ما تقدمه السينما التجارية الخليجية سطحي، وقال: يركض الجمهور وراء أسماء وليس وراء مواقف، وفي حال تقديم الأفلام التجارية يجب تقديم تنازلات، فمثل هذه النوعية ليس فيها عمق، إلا أننا بالتالي بحاجة إلى التنوع بالتجربة.

وطالب الشحي الجمهور بإعطاء فرصة للأفلام المحلية، والنظر إليها من منظور آخر، وقال: هذه الأفلام تشبهنا، ولكن مشكلة المشاهد المحلي أنه لا يرى نفسه جاذباً على الشاشة، ولا يفضل النظر إلى بيئته، ربما لأنه يعيش فيها ويبحث عن الجديد والمختلف.

وأنهى حديثه بالقول: نحتاج للوقت فقط، فنحن لا نزال في مرحلة التأسيس، وزيادة عدد الأفلام وخلق تجربة تراكمية، يجعل المشاهد يعتاد على الفيلم المحلي.

سكاكين

وافق المخرج ياسر النيادي زميله وليد الشحي في معاناة السينما المحلية من أزمة ثقة، وقال: الجمهور مُنهال بسكاكينه على الأفلام المحلية، وكثيرون يترفعون بأنفسهم عن التقرب من التجربة المحلية ودفعها إلى الأمام، ولا أقصد هنا أن «نُطبطب» على الفيلم المحلي، ولكن إن أراد أحد قول رأيه فليقله في إطار يسمح للمخرج بأن يعي أخطاءه ويصححها، وخصوصاً أن الجمهور المحلي واكب الظروف، التي عانتها السينما المحلية.

ولفت النيادي إلى أن الكثيرين يتعاملون مع الفيلم المحلي بطريقة سيئة، ما جعله غريباً في داره، وقال: ليس لأي أحد الحق في أن يصادر تجربة المخرج المحلي، ورغبته في وضع بصمته في هذا المجال، وفي النهاية، فالفيلم الهوليوودي أو البوليوودي أو غيرهما لا يمثلنا، ومن الأولى بالمشاهد العربي الاعتراف بصناعة السينما المحلية، لأن من مصلحته الوقوف إلى جانبها ودعمها، فهي جزء من الحراك الثقافي الوطني، والتقليل من شأنها والارتباط بالفيلم الغربي يؤثر سلباً في هذا الحراك.

وذكر النيادي أن عرض الفيلم المحلي في دور السينما موضوع جديد على الجمهور، وقال: الجديد يُرجم عادة في عُرف من لا يعرف، لأنه مستهجن وغير مقبول، ومشكلتنا مع الجمهور تكمن في تعاليه على المنتَج المحلي، وذلك للمقارنة التي يقوم بها عقله تلقائياً، ما يجعله يسلط سياط ألسنته عليه من دون رحمة.

لوم

«الفيلم القوي يفرض نفسه»، هذا ما أكده المخرج هاني الشيباني، لافتاً إلى أنه يجب ألا نلقي باللوم على الجمهور وقال: علينا كوننا صناع أفلام أن نزيد جودة أعمالنا ونفكر بجذب الجمهور بدلاً من لومه، فسمعة العمل تسبقه، والجمهور واعٍ جداً، ويبحث عما يحاكي عقله ووعيه، ومهما كانت نواياه طيبة في الدعم، فهو في النهاية يبحث عن محتوى يحقق له الاستمتاع، ولا نستطيع تحميله أكثر من طاقته.

وعما إذا كانت رغبات الجمهور تقلل من قيمة الفيلم السينمائي، قال: دائماً ما نربط بين رغبة الجمهور وتقديم التنازلات، وهذا أمر خاطئ، لأنه من الممكن تقديم عمل محترم وهادف وقادر على جذب الجمهور في الوقت نفسه.

وعن المشكلات التي تواجه الفيلم المحلي قال: هناك ظروف إنتاجية تقف حائلاً أمام تقديم عمل على مستوى عالٍ من الجودة، كما أن بعض القصص والموضوعات غير جاذبة، إضافة إلى أن الصرف على الدعاية غير موجود، ويعد ثقلاً إضافياً لا يحتمله صانع الفيلم، الذي بالكاد يوفي بمتطلبات صناعة فيلمه.

مقارنة

بدأ المخرج سعيد سالمين حديثه بالقول: «سينمانا ناشئة وبحاجة لوقت طويل لتقنع الجمهور بنفسها»، مؤكداً أن السينما المحلية والخليجية والعربية عموماً لا جمهور لها، وقال: جمهور اليوم على قدر كبير من الوعي والإدراك الفني، ولا نستطيع إقناعه بسهولة، فهو على اطلاع بأهم وأقوى الأفلام بكل ما فيها من إثارة وتقنيات، ولذا فالمقارنة بين الفيلم المحلي وغيره لا تكون في صالحه، والفرق يبدو للمشاهد واضحاً في التقنية المستخدمة والتصوير والإنتاج وغيره، ولكني أرفض هذه المقارنة، فنحن كوننا إماراتيين نقدم أعمالاً تخصنا وتعبر عنا، ومن غير المنصف وضع أفلامنا في الكفة نفسها مع الأفلام العالمية.

وأكد سالمين أن السينمائي الإماراتي لا يفكر بالأرباح، وقال: الأمر الأهم بالنسبة لنا هو أن نعرض أفلامنا تجارياً ليراها الجمهور ويعتاد عليها، إذ يجب تعويد الجمهور على مشاهدة الفيلم الإماراتي، ومع تراكم الأعمال يصبح التقبل والإقبال على الفيلم المحلي أمر طبيعي.

وأشار إلى أن الجمهور متعطش لفيلم إماراتي على مستوى عال من الجودة، وطالبه بدعم وتشجيع السينما المحلية، وقال للجمهور: اصبروا علينا، وامشوا معنا خطوة بخطوة، فبدعمكم نرتقي للأفضل.

عقبات الإبداع

بين غياب الدعم المادي وقلة النصوص القوية والافتقار إلى أكاديميات سينمائية، تكمن معاناة السينما المحلية، فلا يخلو حوار أو مؤتمر صحافي خاص بالسينما من هذه النقاط الثلاث، لأهمية ما تقدمه للفيلم المحلي، ومن مهرجان لآخر، يزداد الدعم، وتظهر مؤسسات تتبنى مهمة دعم الأفلام، ليتخطى عدد من صناع الأفلام هذه العقبة، إلا أنهم يصطدمون بالنصوص الضعيفة الخالية من الابتكار والتجديد. نقاشات عدة ومتكررة جمعتنا بالسينمائيين، الذين كانوا يؤكدون في كل مرة، أن الأكاديميات السينمائية هي الحل لجميع مشكلات السينما المحلية، فمن خلالها تزداد الكوادر المختصة في هذا المجال، وتبرع الأقلام المبدعة، وتصقل الشغف بدراسة أكاديمية تضع النقاط على الحروف، وتبني جيلاً يمتلك وعياً وثقافة وعلماً بأساسيات ومتطلبات صناعة السينما.

دور المخرج الوصول للجمهور وعدم انتظاره ليأتيه

ذكر المخرج أحمد زين، أن «مزرعة يدو» بجزئه الأول حصد جمهوراً كبيراً وحقق إيرادات جيدة، وقال: كان كل عرض يحظى بحضور ومتابعة نحو 100-150 شخصاً، وتم عرض الفيلم في دور السينما في الإمارات لمدة 40 يوماً، ما يدل على نجاحه ووصوله للجمهور، وهذا ما شجعنا للعمل على جزء ثان منه.

وذكر زين أن المخرج يجب أن يصل للجمهور ولا ينتظره ليأتيه، وقال: الأفلام نوعان جماهيري وفني، ودور المخرج أن يصل للجمهور كله، فلا يقتصر على الجمهور النخبوي، الذي يتابع المهرجانات، فهناك قاعدة كبيرة من الجمهور الذي يبحث عن الفيلم التجاري، ولهذا الجمهور حقه وعلينا أن نصل له، وفي فيلمي «مزرعة يدو»، امتزجت الكوميديا بالرعب، وقدمنا البيئة المحلية البحتة، وبذلك تكاملت عناصر النجاح التي ساعدت على جذب الجمهور.

وأشار إلى أنه يجب على صناع الأفلام التنسيق بين الفيلم الفني والجماهيري، وقال: حين خضت تجربة الفيلم الطويل وضعت الجمهور، الذي يبحث عن الاستمتاع والضحك نصب عيني، وتحقق الهدف الذي سعيت نحوه، ولاقى فيلمي النجاح الجماهيري.