قد لا يدرك الجمهور أن الرحلة التي يشاهدها لنحو ساعتين في الفيلم الإماراتي «من ألف إلى باء» للمخرج علي مصطفى، قد استغرق العمل عليها 4 سنوات، قضاها مصطفى بين كتابة السيناريو واختيار المواقع والتنقل بين بلدان عدة لإنجاز هذا الفيلم المنتمي إلى سينما الطريق، ليضيفه إلى قائمة إنجازات السينما الإماراتية التي بدأت تلج بقوة في أروقة الصالات التجارية مدعومة بمجموعة أفلام ناجحة ومن بينها هذا الفيلم الذي دخل مع بداية الأسبوع الجاري، صالات السينما المصرية، في وقت لا يزال قادراً على استقطاب رواد صالات السينما المحلية، ليشكل هذا الفيلم بنجاحه تجارياً دليلاً على نضوج السينما الإماراتية وانتقالها لمستوى آخر، لا سيما وأن مخرجه علي مصطفى تمكن من صياغة أحداثه بقالب كوميدي جميل يخلو من التعقيد، مجسداً معاني الوفاء بين الاصدقاء، عاكساً فيه أيضاً طبيعة الإمارات بما تحتضنه من جنسيات عديدة.

رحلة برية

أحداث الفيلم تدور حول 3 أصدقاء عرب نشأوا في أبوظبي، يقومون برحلة برية، وفاءً لصديقهم «هادي» الذي توفي خلال الحرب على لبنان في 2006، وبعد مرور 5 سنوات على رحيل «هادي»، يقوم أصدقاؤه السوري «عمر» (فادي الرفاعي)، مع المصري «رامي» (الممثل شادي الفونس) والسعودي «يوسف» (الممثل فهد البيتري)، بالترتيب لهذه الرحلة التي تنطلق من أبوظبي مروراً بالسعودية والأردن وسورياً وصولاً إلى لبنان، بحيث يصلون إليها في عيد ميلاد صديقهم الراحل، ليكتشف هؤلاء الشباب خلال الرحلة ذاتهم من جديد، ما يحفزهم على تغيير أسلوب حياتهم كلياً بعد كمية الأحداث التي يشهدونها خلال الرحلة، التي نشهد خلالها مواقف كوميدية وتراجيدية عدة.

تجربة مختلفة

تجربة مصطفى الجديدة جاءت مختلفة عن تجربته السابقة «سيتي أوف لايف» (2009)، فقد اختار لهذا الفيلم نمط سينما الطريق، ليتمكن من تجسيد أحداث السيناريو الذي كتبه بالتعاون مع السيناريست والمنتج المصري محمد حفظي، الأمر الذي ساعده في تقديم صياغة جميلة للمغامرة التي يقوم بها الشباب، فقد عززها بعديد القصص التي تنتصر في غالبيتها للإنسانية، بدءاً من الفكرة نفسها، والتي تجسد معنى الوفاء لصديق فارق الحياة، ومروراً بالنظرة الانسانية التي يلتقي عليها الأصدقاء اثناء وجودهم في سوريا، لتبدو أن أحداث الفيلم دارت خلال فترة الثورات العربية التي دبت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، التي نشهد فيها أكثر القضايا الانسانية التي يجسدها الشباب في تفاعلهم مع الأوضاع المحيطة بهم، والذي يبرز بشدة في المشهد الذي يجدون فيه مئات العائلات التي تنتحب، ليكتشفوا أنهم في حالة تعرف إلى جثث ذويهم، ليبدأ «رامي» بتوثيق الحالة بالصور بهدف نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن كاميرا رامي تقع بيد «ثوار درعا»، ليعيشوا حالة الاستجواب مرة ثانية بعد تجربتها مع الجيش النظامي في المرة الأولى، لنجد أن طلب الثوار من الشباب يتلخص في «ايصال ما رأوه إلى العالم»، ليضع الثوار وقائدهم (الممثل سامر المصري) أملهم بالشباب.

الإمارات حاضنة العالم

رغم الجرعة الكوميدية التي وضعها مصطفى في فيلمه، إلا أن المتابع للأحداث يشعر بأنه تمكن عبر الحكايات التي يتطرق إليها من خلق توازن واضح بين النواحي الاجتماعية والقضايا السياسية، وفي الوقت نفسه، تمكن من تصوير الإمارات كحاضنة لمختلف جنسيات العالم، لما توفره من أمان وحرية للمقيمين فيها، وهو ما نلمسه من خلال توليفة الممثلين الذين اختارهم مصطفى لأداء الفيلم الذي شارك فيه أيضاً الممثل المصري خالد أبوالنجا والسوري سامر المصري والفلسطيني علي سليمان (بطل فيلم الجنة الآن)، ومواطنته ليم لوباني (بطلة فيلم عمر)، ويسرا اللوزي والأميركية مادلين زيما.