يشكل فيلم «الوادي» للمخرج اللبناني غسان سلهب، الجزء الثاني من ثلاثيته المنفصلة المتصلة، والتي بدأها في 2010 بفيلمه «الجبل»، ويستكملها بفيلم قريب عنوانه «النهر»، وهي الثلاثية التي يصفها غسان سلهب بأنها عبارة عن تأويل شخصي لنهاية العالم، ليأتي فيلمه «الوادي» تجريبياً وتجريدياً في الوقت ذاته.

منذ اللحظة الأولى لمشاهدتك للفيلم الذي عرضه مهرجان دبي السينمائي ضمن دورته الحالية، تشعر أنك أمام مخرج مختلف، يدرك جيداً كيفية التحكم بأدواته لإيصال هدفه أو رسالته إلى المتلقي بطرق غير تقليدية، فاتحاً المجال أم المشاهد للاعتماد على حواسه ليشعر بما حوله، وليعيش أحداث الفيلم، الذي يبدو أنه يتعمد أحياناً إلى استخدام الموسيقى التصويرية خلفية للفيلم، ليدعو المشاهد إلى الشعور بمدى الفراغ الذي يشعر به أبطال فيلمه.

أحداث الفيلم تدور حول رجل يفقد ذاكرته، إثر تعرضه لحادث على الطريق، ليلتقطه مجموعة من 4 أفراد يعملون في منطقة نائية، لنكتشف لاحقاً أنهم تجار مخدرات. ليبدأ الفيلم بنقل الإحساس بالحالة إلى المشاهد عن طريق إبعاده عن الزمان والمكان وعلاقته وتأثره بشخصيات الفيلم، وهو ما اعتاد سلهب الاعتماد عليه لإيصال فكرته للمشاهد، ليقدم لنا سلهب فيلماً تجريبياً وتجريدياً في الوقت ذاته، قادر على استفزاز ذاكرة المشاهد وتركيزه، ليأخذه نحو حدود أبعد من حدود الصورة المتحركة.

يقدم سلهب في هذا الفيلم، أسلوبه المتميز في الإخراج، والذي يمكن أن تتلمسه في كافة كادرات الفيلم، التي جاءت واسعة لتجبر المتفرج على التفتيش عن المكان والتعرف إليه، ليتحرر سلهب بذلك من فضاء مدينته بيروت، التي قدمها في أفلامه السابقة «أشباح بيروت» و«أرض مجهولة»، ويهرب ناحية فضاء أوسع، ليغمر المشاهد بمحيط رحب، في حين نشعر أنه يعمد أحياناً إلى تقديم لقطات ضيقة جداً لتمكين المشاهد من التقاط الملامح والشعور، تتيح التواصل بين المشاهد والممثلين، ليبدو تأثير الموسيقى التصويرية واضحاً على المشاهد، في حين أن جمله الحوارية صيغت بطريقة تخدم القصة وتدفعها نحو الأمام.