أمضى عشاق السينما مع الفيلم الأرجنتيني «حكايات برية» للمخرج داميان زيفرون، الذي فاز بعدد من الجوائز في المهرجانات السينمائية، زمناً نوعياً مع دراما إنسانية من نمط الكوميديا السوداء.

وتابع على مدى ساعتين ست قصص إنسانية محورها جميعها لحظة القهر التي تواجه الإنسان والتي يرسم خلالها بأحلامه أمنيته في القصاص من جلاديه أو ظلامه والتي بالطبع لم ترَ النور، حيث استحقت قصصه الست تصفيق الجمهور الحار والطويل.

نوعي وعبثي

ويمكن القول ان الفيلم نوعي وغير مألوف بأسلوب طرحه العبثي وسرد القصص المكثفة الأحداث، والتي يتناول كل منها أحد الجوانب الإنسانية في الحياة، التي أداها الممثلون ببراعة.

وبمساحة من الحرية أضافت من خصوصية أدائهم وحيوية الشخصية، مثل العروس التي تتحول إلى إنسانة برية بعد اكتشاف خيانة عريسها لها خلال حفل زفافهما، والمهندس المختص بتفجير الأبنية، الذي يصل إلى لحظة القهر من شركة حجز السيارات ومعاناته من الساعات الطويلة التي يقضيها في ازدحام السير.

وعدم تفهم أسرته لتلك الضغوطات وغيرها التي تحول دون تلبية توقعاتهم، وتدفعه هذه اللحظة إلى الاقتصاص من شركة السيارات بتفجير مركزها، بدراسته الدقيقة دون ضحايا ليصبح بطلاً جماهيرياً في السجن.

وقصة نادلة المطعم التي تواجه الرجل الذي تسبب في مقتل والدها وانتقالها مع أمها من البلدة خوفاً من بطشه حينما كانت طفلة، وحينما تروي للطاهية في المطبخ قصتها، تبادر الطاهية إلى وضع سم الفئران في طعامه.

ولا تعرف الفتاة بذلك إلا بعد تناوله الطعام، لتكتشف دخول ابنه الذي ينضم إليه ويشاركه في وجبته ومع محاولتها لسحب صحنه إنقاذاً للابن، يصفعها الرجل فتبادر الطاهية إلى طعنه بالسكين لتخليص البشرية من ظلمه.

خصوصية الفيلم تكمن أيضاً في الإيقاع السريع للمشاهد التي تعزز عمق المضمون، والبراعة في اللقطة الأخيرة من كل قصة التي تحمل ما قل ودلّ في التراجيكوميديا، كمشهد الطائرة التي تهوي بركابها الذين انتقاهم غابرييل باسترناك والذين أساؤوا في مراحل من حياته.

والمشهد الأخير للصراع بين رجل أعمال ومزارع الذي ينتهي باحتراقهما داخل السيارة وأحدهما يمسك بتلابيب الآخر لتكتب الشرطة في تقريرها علاقة عاطفية جمعت بينهما لدى وفاتهما.

موسيقى ومفارقات

تلعب الموسيقى دوراً حيوياً كعامل درامي في المشاهد، خاصة في المشاهد التي تحمل مفارقات كصراع الرجلين داخل السيارة الذي يؤدي إلى تشغيل المذياع وانطلاق أغنية رومانسية تناقض الموقف، أو اختيار أغاني أرجنتينية شعبية في بعض المشاهد التي تفاعلت معها الجالية بحماس في الصالة لما تحمله من دلالات في ثقافتهم.

زيفرون : سر إبداعي الطفل في داخلي

 

 

في حواره مع «البيان» قال المخرج الأرجنتيني داميان زيفرون عن مغامرته في اختيار قصص قصيرة لفيلمه: «منذ طفولتي أحب قراءة وكتابة القصص القصيرة، وبالتالي كتبت قصصي الست من وحي أحلام الكبار الطفولية في لحظة انفجارهم النفسي الذي يعودون لكبتها».

وفي حديثه تطرق زيفرون إلى قدرته على التميز كمخرج وهو لا يزال شاباً: «أعتقد أن قدرتي وحرصي على التواصل مع الطفل في داخلي، هو سر نجاحي.

وكذلك الحرية التي أشعر بها كمخرج مستقل، والتي ألمس حضورها كل يوم خاصة بعد تحرري من التزامات الطفولة والدراسة، حيث بت أشعر حالياً بأن لي مطلق الحرية في الرسم والكتابة وحتى تنسيق شقتي وغير ذلك من التفاصيل».

قال زيفرون حول أحلامه وتطلعاته: «ليست لدي أحلام سوى تقديم أفضل ما لدي وبالتالي احترام إنجازاتي. وأتمنى أن تعيش بناتي في أجواء قريبة من ذاكرة طفولتي، كأن أكتب وبناتي حولي كما كنت أجول كل يوم في عيادة جدي الطبيب».