«درس بليغ في سينما الإثارة» بهذا التعبير لخص الناقد ماثيو ديكيندر رؤيته لأحداث فيلم «فتاة غائبة» (Gone Girl) للمخرج ديفيد فينشر، الذي افتتح به فعاليات مهرجان نيويورك السينمائي في سبتمبر الماضي، ويلعب بطولته الأميركي بن أفليك، الذي لا يزال يحلق عالياً بإيرادات الفيلم محتلاً به صدارة شباك التذاكر العالمي، بمبلغ تجاوز حدود 200 مليون دولار حتى الآن، ليقدم لنا فيه حكاية مليئة بالإثارة والتشويق عن كيد النساء، حاصداً من خلاله على ثناء النقاد الذين اعتبروا الفيلم واحداً من أهم أفلام الاثارة والتشويق خلال السنوات الأخيرة، ليثبت فينشر فيه قدرته في شد انتباه الجمهور إلى أفلامه.
الإشادة التي حصدها الفيلم على مستوى النقاد والجمهور، كانت كفيلة بتبرير غياب المخرج فينشر عن الشاشة الكبيرة، لثلاث سنوات، ليبدو أنه بهذا الفيلم قد وضع جل جهده لتقديم مستوى عال من التشويق والإثارة، معززاً بذلك لقب «هيتشكوك العصر الحديث» الذي أطلقه النقاد عليه في وقت مبكر من حياته، في إشارة منهم إلى قدرته على صنع أفلام إثارة سينمائية شديدة الجماهيرية.
صاحب أفلام «سبعة» و«زودياك» و«الفتاة ذات الوشم التنين»، اعتمد بهذا الفيلم، على رواية تحمل العنوان نفسه للكاتبة جيليان فلين حول زواج سريع يجري بين اثنين، وسرعان ما تختفي الزوجة «ايمي» (الممثلة روزامند بايك)، لتدور الشبهات حول زوجها (بن أفلك) خصوصا أن ظروف اللقاء والزواج ثم الاختفاء، تمت في ظروف غامضة وعززت من فرضية أن يكون الزوج هو الفاعل، لنكتشف مع توالي الأحداث مدى الحنكة والذكاء الذي تمتعت به «ايمي» في تسليط الضوء عليها والظهور أمام الجميع بمظهر الضحية، لتجبر زوجها على الالتزام بقوانينها بالابتعاد عن الخداع، لا سيما بعد اكتشافها لخيانته لها.
يقدم فينشر بهذا الفيلم، معالجة سينمائية جميلة للرواية، متنقلاً بين أحداثها بطريقة سلسلة، محولاً الزوجين في بعض المشاهد إلى رواة يسردون أحداث القصة، مستفيداً من موهبتهما بالكتابة والتأليف، ما ساعده في تقديم مستويات عدة في الفيلم، لكل واحد منها ايقاعه وحبكته وإثارته الخاصة، فعلى مدار 149 دقيقة لا يمكنك كمشاهد أن تتوقف عن الاهتمام بما يجري ولو للحظة واحدة، حيث ينتقل الفيلم «من الخفة إلى القتامة والثقل بأناقة وقدرة فائقة على الضغط وحبس الأنفاس»، بحسب تقدير الناقد ماثيو ديكيندر في مقالته النقدية لهذا الفيلم، الذي نجح فيه فينشر بقلب الطاولة على المشاهد، عبر تكرار مشهد الافتتاح في نهاية الفيلم، ليكشف من خلاله عن «تقلبات غير متوقعة ونجاح باهر في إدهاش المشاهد».
تحت الأضواء
في كل مرة ينجح بن افليك بوضع نفسه تحت الأضواء، فبعد اقتناصه لجوائز الأوسكار في 2012 عن فيلمه «أرغو» الذي أطل فيه بشخصية عميل المخابرات توني منديز الذي تولى عملية تهريب الدبلوماسيين الأميركان من إيران عام 1979، جاءت اطلالته في هذا الفيلم مختلفة، حيث يطل فيه بشخصية الزوج المحب لزوجته والمتمرد عليها في الوقت نفسه.
