لمدينة السويس جزء خاص من ذاكرة المصري، وحتى العربي أيضاً، فقبل أن تكون مهداً لثورة 25 يناير التي انطلقت شرارتها الأولى من أحيائها، كانت من أولى المدن المصرية التي تصدت للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، فضلاً عن أنها تعد واحدة من المدن المصرية المهمة اقتصادياً، ليساهم افتتاح قناة السويس في ازدهار هذه المدينة التي شكلت نقطة بحث دارت حولها أحداث الفيلم الوثائقي الطويل "موج" للمخرج أحمد نور، في أولى تجاربه الطويلة في هذا المجال، لنبدو أننا نقف أمام فيلم يوثق لتاريخ المدينة الباسلة، وحاملاً لمقارنة بين حال جيل الثورة الحالي والسالف.

انشغال إبداعي

المتابع للفيلم يشعر أن مخرجه أحمد نور، بدا فيه منشغلاً جداً بالحقيقة، التي يعمل على رصدها باجتهاد من كافة جوانبها، ليؤكد لنا حقيقة أن الوثائقي دائماً ما كان منشغلاً بالحقيقة وتوثيقها، ومع هذا الفيلم، يبدو الانشغال الابداعي لدى نور قادماً من كيفية القول، أي الأسلوب، بحيث يكون السؤال كيف تقول الحقيقة بطريقة تجعلها أهم من الحقيقة نفسها؟

وبالعودة إلى مدينة السويس، نجد أنها تشكل الكلمة المفتاح للفيلم، بحيث يجري توثيق المدينة على مستويات عدة، ويخبرنا الفيلم المقسم إلى عدة موجات تختلف في مستوياتها وأعماقها، بأنها "مدينة الموج والغربان"، وأنها "شعلة الثورة المصرية"، وهو ما يدفعنا إلى تقسيم الفيلم إلى ثلاثة مستويات، مسبوقة بحقيقة يبوح بها المخرج، أنه ولد مع تسلم الرئيس الأسبق حسني مبارك مقاليد الحكم في مصر.

بينما ولدت ابنة أخيه قبل أشهر من ثورة 25 يناير، ليتبع ذلك بسرد له أن يكون خارجاً من مفكرة المخرج، ليبدو كل ما نراه في الجزء الأول من الفيلم خارجاً من كتاب الرسم المدرسي الخاص بالمخرج والذي عثرت عليه والدته، ولتبدو السويس مدينة مستعادة بعيني الطفل (المخرج)، ولهذه الاستعادة أن تضيء على تفاصيل وحكايات كثيرة، كما قصة قيام أبطال الرماية في الجيش المصري بقتل أكثر من 100 ألف غراب، حين تزايدت أعدادها في المدينة، والمخرج لا يستطيع تخيل "حديقة الفرنساوي" من دون غربان.

سياق تصاعدي

في المستوى الثاني يمضي الفيلم في تتبع الحياة الاقتصادية في السويس، المدينة الأكثر مساهمة في الدخل القومي المصري، ومشاغل أهلها، وليضيء على أحوال بشرها وأهلها في لقطة يجمع فيها أعداد كبيرة من سكانها ، فاسحاً المجال أمامهم ليعبروا عن همومهم في سياق تصاعدي، فهم الذين لا يحصلون على فرصة عمل في السويس ومعاملها ومنشآتها الكبيرة، لأنهم من أبناء السويس، وغير ذلك من تفاصيل لها أن تضيء بشكل أو بآخر، على السبب الذي يجعل من هذه المدينة مهداً للثورة المصرية، وصولاً إلى مستوى ثالث من مقاربة أحمد نور لمدينته، من خلال شخوص المدينة، وخاصة صاحب المكتبة، وصولاً إلى قصص عوائل الشهداء الذين قضوا أثناء الثورة.

بلا شك أن فيلم "موج" يشكل مدعاة للتوقف طويلاً أمامه، لا سيما وأننا نتحدث عن أول تجربة وثائقية طويلة لمخرجه أحمد نور، والذي من خلاله يضعنا حيال مخرج منشغل بأدوات وأساليب الوثيقة وكيفية تقديمها، في سياق يسعى المخرج من خلاله إلى البحث عن طريقه الخاص.

 

لقاءات

اختار المخرج لغة سينمائية تجمع بين الراوي والرسوم المتحركة واللقاءات المباشرة مع أهل المدينة، ومع أحد أبرز رموزها ورموز المقاومة الوطنية المصرية الكابتن غزالي، وقد حاول المخرج أن يقدم من خلالها مقارنة بين حال جيل الثورة من الشباب ومنهم المخرج نفسه وما عاشته المدينة منذ اندلاع ثورة 25 يناير في الحراك الثوري وبين ما عاشه الآباء والأجداد في الكفاح الوطني ضد الاستعمار وصد هجمات العدو الإسرائيلي.