خطوات كبيرةإلى الأمام خطتها السينما الإماراتية، ونجحت في أن تحجز لنفسها مكاناً مميزاً على خارطة السينما العربية، وأصبح لها حضورها محلياً وعربياً وعالمياً، ورغم الدعم الكبير الذي حصلت عليه الأفلام الإماراتية من الجهات المختلفة، إلا أن المعوقات تقف لها بالمرصاد، فالحاجة لأكاديميات سينمائية...

والدخول في دورة إنتاجية صناعية صحيحة، مطالب تتكرر باستمرار على ألسنة المبدعين السينمائيين الإماراتيين. مع المخرجين المحليين المشاركين بجائزة "المهر الإماراتي" في المهرجان، كان لنا وقفة، عبروا من خلالها عن أهمية الدعم في إخراج أفلامهم إلى النور، ولم يغفلوا عن ذكر المعوقات التي تواجههم في التحقيق التالي.

دورة إنتاجية

"من الطبيعي أن يكون لدينا هذا العدد من الأفلام الإماراتية اليوم في دولة تمتلك 3 مهرجانات سينمائية"، هكذا بدأت نجوم الغانم التي تشارك بفيلمها "أحمر أزرق أصفر"، حديثها، مشيرة إلى أن الأهم من العدد يكمن في قدرة هذه الأفلام على إثبات نفسها، ومنافسة أفلام مهمة من العالم ودخول السباق بقوة والوقوف على أرضية صلبة.

وأشارت الغانم أنه لولا دعم بعض المؤسسات، لم نكن لنرى أغلب هذه الأفلام، وقالت: نتطلع لمشاركة القطاع الخاص متمثل في التجار ورجال الأعمال والمؤسسات الربحية في عملية الإنتاج والدعم، فالصناعة السينمائية هي التي تستطيع تدوير الأرباح واستغلال التمويل وتشغيل طواقم العمل وبيع الأفلام وإيجاد دخل ليعود للإنتاج، وهذه الدورة الإنتاجية الصناعية الصحيحة غير مستقرة أو متواصلة لدينا.

دعم

اعترف خالد علي مخرج "الليلة"، أنه لولا دعم "روح دبي" التابعة لهيئة دبي للثقافة والفنون، لم يكن فيلمه ليرى النور، وقال: نحتاج لدعم الجهات المختلفة، ولكن المشكلة تكمن في أن الواسطة والشللية تتحكم في إنتاج الفيلم، ودليل ذلك أن زميلي المخرج هاني الشيباني تقدم بنص قوي لأكثر من جهة..

ولكن الموضوع معلق لفترة طويلة، علماً أن هناك أشخاصاً حصلوا على هذا الدعم وهم غير مؤهلين كالشيباني، وأضاف: إلى جانب ذلك نحتاج إلى جهة حكومية تقوم بدور الأكاديمية السينمائية، فنحن بحاجة ماسة لكتاب سيناريو وطواقم محترفة بجميع مجالات السينما.

خيارات

اعترف حمد الحمادي مخرج "نفاف" أنه لولا دعم مشروع "فيلمي"، لما كان مشاركاً في المهرجان، وقال: كنت ضائعاً وأبحث عن تمويل حتى حصلت عليه، ونحن بحاجة لهذا الدعم، وهذه المبادرات التي تدعم السينما الإماراتية.

وعن المعوقات التي تواجه الفيلم الإماراتي قال: نعاني قلة المتخصصين السينمائيين فيما يتعلق بالإضاءة والصوت وكتابة السيناريو، وأتمنى أن أصل للمرحلة التي أحتار فيها بالاختيار من بين عدة خيارات.

أرجعت منى آل علي مخرجة "كتمان" العودة القوية للأفلام الإماراتية إلى وجود أفكار عدة يجب أن تطرح، وإلى دعم المؤسسات المختلفة، وقالت: حصلت على دعم "فيلمي"، وهذا الدعم يساعد المخرج الإماراتي على أن يكون حاضراً دائماً.

وعن المعوقات التي تقف في وجه الفيلم الإماراتي، قالت: يعاني أغلب المخرجين من عدم توفر كُتَّاب السيناريو، لأن النص الجيد هو الأساس في الفيلم القوي، وبالنسبة لي فأنا لا أعاني هذه المشكلة كوني أكتب سيناريوهات أفلامي بنفسي.

دور المهرجانات

أكدت علوية ثاني مخرجة "الإيمان بالحب" أن المهرجانات السينمائية تعد منصة هامة لتوصيل الأفلام للعالم، وقالت: دور المهرجانات بارز في دعم الأفلام، ولكن السينما الإماراتية تعاني معوقات تتمثل في عدم التخصص، إذ يجب على كل شخص أن يحترف في المجال الذي يهواه ويطور نفسه..

فالسينما أكثر من مجرد إتقان التصوير بالكاميرا. وأشارت علوية إلى أهمية وجود جهات تدعم الأفلام، ورغم أن "الإيمان بالحب" من إنتاجها الخاص، إلا أن كل مخرج إماراتي يحتاج لهذا الدعم لتستمر عجلة الإبداع في الدوران.

تسويق

شاد عيسى السبوسي مخرج "13:37" بتنظيم مهرجان دبي السينمائي، وعبر عن فخره باختيار فيلمه إلى جانب المخرجين الإماراتيين المعروفين، وأكد أن دعم المختبر الإبداعي "توفور فيفتي فور" أخرج فيلمه إلى النور وجعله واحداً من الأسماء المنافسة على جائزة "المهر الإماراتي".

واشار السبوسي إلى تعدد جهات الدعم والتمويل، مؤكداً على أهمية ذلك للمخرج الإماراتي، ولافتاً في الوقت نفسه إلى عدم قدرة المخرج الإماراتي على تسويق أفلامه، وقال: صعوبة عملية التسويق تحرمنا من مشاركة أفلامنا بالمهرجانات، وبالتالي لا نحصل على العائد المالي الذي تم استغلاله في الإنتاج.

التجارب المحلية بين مد الفكرة وجزر التقنية

 المتابعة السنوية لإنتاجات المخرجين الإماراتيين، تجعل المترقب للصناعة، محلياً، بين مد الفكرة وجزر التقنية، خاصةً بعد تسيد الفيلم القصير، كمعيار يقيس قدرات الكتّاب وصناع الأفلام في المنطقة المحلية، وذلك للانتقال بعدها إلى الفيلم الطويل بروح تستمد من المشهدية علاقتها بفن تحريك الصورة.

ويشهد مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته العاشرة عدداً كبيراً من الأفلام الإماراتية، وصل إلى 15 فيلماً مشاركاً.

وفي قراءات عامة لبعض الأفلام ومنها فيلم "كتمان" وفيلم "نفاف"، وفيلم "حنين"، وفيلم " لا تخليني"، وفيلم "البحر"، نتوصل إلى دور الدعم المقنن في صناعة تجارب إماراتية أكثر رصانة، وبأفكار أكثر خصوصية، تتخذ من التنويع بين الواقعي والرمزي والصامت والوثائقي أشكالاً في التعبير المرئي لبيئة مجتمع الإمارات وخصوصية بعدها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

لغة الحُلم

البحث في تجليات الطرح الرمزي عبر فيلم "نفاف" للمخرج حمد الحمادي، يحمل تجسيداً للطفولة بمكامنها النفسية، وتحديداً في لغة الحُلم، التي امتدت طوال الفيلم، إذ تفسر منابع الخيال للحالة البانورامية لتقنية الرسم على الجدار..

والتي استخدمها المخرج، مقدماً تأويلات عن معاني البوح باعتبار الجدار وسيلة للتمرد أحياناً، ووسيلة لممارسة الحرية في أوقات كثيرة، وفي أوج الصمت المتوسد لمشهدية "نفاف"، إلا أن الانتقال الهادئ بين شخصية الطفلة والطفل في الفيلم ظل مسترسلاً بقوة الصوت بالرغم من تحدي الإضاءة، الذي ظل يصارع التصوير الليلي في العمل.

قناني الصمت

بينما أتت المخرجة منى العلي عبر فيلمها، "كتمان" للانطلاق نحو أفق التشكيل، يرى فيها المتابع للفيلم، الجمالية الأدبية في تخيل الصورة، التي استمدت أيضاً من الصمت، عنواناً للصراخ..

حيث انشغلت شخصية الطفل بتعبئة القناني الزجاجية، وبعضها بلاستيكي، بالصراخ ودفنها أمام رمال (السيفه) بجانب البحر. فهل تنقل تلك المدلولات المشاهد إلى قراءة طبيعة الفجوة بين الأجيال، وهل هي تبعات الكتمان النفسي، تساؤلات عديدة طرحها الفيلم، معززاً الدراما الفنية للديكور والشكل الفوتوغرافي للفيلم.

إنسانية ممتدة

فيلم "حنين" للمخرج ناصر اليعقوبي، والدخول بإنتاج وثائقي، وسط تحديات الفيلم الوثائقي العربي، في أهمية التحرر من إطار التحقيق التلفزيوني، والانتباه إلى تحرير النص البصري، يعتبر إضافة نوعية لمجتمع الأفلام الإماراتية، وتحديداً على مستوى فكرة العمل التي استهدفت تسليط الضوء على الجالية الهندية، التي عاشت في الإمارات لأكثر من 33 إلى 35 سنة..

ومن ثم عادت إلى بلدها الأصلي، الهند، حيث أجرى اليعقوبي لقاءات مع مجموعة من الشخصيات، من خلال السفر إلى الهند وعقد لقاءات مباشرة. استمد الفيلم حركته بطابع الكاميرا المحمولة، متضمناً لقطات عامة من الحياة في الهند، ويكشف الفيلم للمتلقي الإماراتي، الحياة الفعلية للهنود في بلدانهم، وتحديداً ممن عملوا في مجال خدمة المنازل، وتصليح الكهرباء والأعمال الحرة بشكل عام، وربطتهم مع الإماراتيين علاقة إنسانية ممتدة.

وليد الشحي: ملاحظاتنا تقف عند حدود نقل الخبرات

في الحديث عن استمرار العديد من السينمائيين الإماراتيين الرواد في دعم ومتابعة أعمال المخرجين الجدد والطلبة، عبر تقديم ملاحظات ونقاشات نوعية حول السيناريو وصناعة المشهد في الفيلم، وأشكال التنفيذ الفني للأعمال، تبرز تساؤلات حول ماهية مساحة التأويل وأبعاد التأثير في طبيعة التجارب السينمائية المحلية نتاج هذا التعاون المشترك.

حيث يمثل المخرج السينمائي الإماراتي وليد الشحي، نموذجاً نوعياً في الطرح السابق، كونه يشارك في مونتاج وتصوير عدد من الأعمال المشاركة في جائزة المهر الإماراتي هذا العام، لمخرجين شباب..

قائلاً عن مشاركته: "في الحقيقة الدعم المتمثل بيننا وبين المخرجين الجدد والطلبة، يقف عند حدود نقل الخبرات، ولا نسعى عبره إلى استنساخ مشابه لتجاربنا السينمائية، ما يهمنا هو إنشاء وعي سينمائي، مبني على احتراف تقنية صناعة الصورة، واستيعاب الصوت والإضاءة كمفاهيم تجسد الكلمة في الفيلم".

المخرج أولاً

بحكم وظيفته المتعلقة بتدريس طلبة الإعلام في كليات التقنية العليا، والإشراف التسويق والإنتاج الإعلامي في كليات التقنية العليا، يؤمن الشحي بأن المسألة امتداد للمفهوم التعليمي من قبله في المجال، لافتاً إلى أن الملاحظات والنقاشات مع المخرجين، تهتم عادةً بالجانب النظري، ولكن القرار في التنفيذ والإخراج عملياً، يمتلكه مخرج العمل..

حيث يقوم الشحي بإنجاز رؤية المخرج على مستوى الصورة عموماً أثناء توليه مهمة التصوير، ويصمم الشحي ما يراه المخرج أيضا أثناء صناعة التراكيب الفنية المتعلقة بمرحلة مونتاج الفيلم. وأضاف الشحي، أن الهدف الأسمى من التعاون، ينبع من تقليل المعاناة التي عاشها ولا يزال يعيشها السينمائيون في المنطقة المحلية، من جهة صعوبة الحصول على تمويل تقني ومادي لإنتاج أفلامهم.

السينما المجتمعية

يعود سبب ازدهار التعاون بين السينمائيين الشباب والمخرجين الجدد والدارسين للسينما، إلى التوجه النوعي لتأسيس حاضنة للسينما المجتمعية، من مثل "فيلا سينما"، التي عمد الشحي ومجموعة من السينمائيين إلى تأسيسها، لتشكل استقطاباً للأفكار والمواهب، وتؤسس وعياً معرفياً بما تعنيه الصناعة السينمائية، وحول ذلك أوضح الشحي أن الملتقيات المجتمعية تمثل جزءاً من التركيبة المعززة لنشاط السينمائيين الجدد نحو إنتاج الأفلام.