لوحة صادقة لألوان شعورية مختلفة تتضمن الحب والوحدة الممزوجة بألوان الفرح والحزن والضحك، يقدمها لنا المخرج الهندي ريتيش باترا في فيلمه "صندوق الغداء" أو "زوّادة الطعام" الذي عُرض ضمن أسبوع النقاد في كان السينمائي، ليأخذنا باترا من خلاله في رحلة إنسانية عميقة نحو موضوع مختلف تشتهر به الهند، وتحديداً مدينة مومباي، وهو مهنة نقل صناديق الغداء من مكان إلى آخر أثناء العمل، والتي يمتهنها أكثر من 5000 عامل، وتمتاز بدقّة عالية بحيث لا يخطئ الصندوق هدفه إلا فيما ندر.
هذه المهنة التي يصل عمرها إلى 120 سنة تُضفي نكهة المنزل في مكان العمل، حيث تقوم الزوجات بإعداد الغداء لأزواجهن العاملين، ويضعنه في صندوق مكوّن من طبقات ليذهب ساخناً إلى الأزواج الموظفين بواسطة عمّال متخصصين، لينتقل فيها الصندوق من دراجة هوائية، إلى باص إلى قطار، إلى دراجة نارية إلى الجهة المعنية لتبدو هذه الرحلة بحد ذاتها عملية طبخ أخرى تمتاز بدقّتها الشديدة، وإلا فإن الغداء لن يصل إلى صاحبه.
"إلا" نمرات كاور، امرأة متزوجة لديها طفل من زوج بارد، مشغول، مهمل لواجباته الأسرية إلى حد ما. تقوم يومياً بالطبخ لزوجها، ولديها جارة مسنّة تعيش في الطابق العلوي لشقتها، وتكاد تكون الأنيس الوحيد لها أثناء عزلتها اليومية في المنزل.
الجارة الثرثارة تدلق الحبل إليها مزوّدة إياها بحاجيات الطبخ، وفي أحيانٍ كثيرة، تطلب منها بضائع المنزل. لا نرى الجارة إطلاقاً خلال الفيلم، ولكن ما نحفظه عن قلب هو صوتها وكلماتها المضحكة، وهذا الحبل الذي هو وسيلة التواصل مع الزوجة.
قلب الموازين
موازين الحكاية تنقلب تماماً عندما يخطئ صندوق "إلا" هدفه، ليذهب صندوقها إلى "سجان" عرفان خان، موظف على وشك التقاعد، وحيد بعد وفاة زوجته، وعادة يستقبل صندوقه من مطعمٍ رخيص حيث يُقيم.
وهذه المرّة يجد على مكتبه صندوقا مغلّفا بغطاء أخضر، عندما يفتحه في وقت الغداء يجد أكثر من صنف طعام، يتذوّقه ليجده شهياً ومصنوعاً بنفسٍ مختلف، ويجهز عليه تماماً.
يعود الصندوق إلى الزوجة التي تندهش لعدم احتوائه على بقايا طعام. هذه الفرحة الكبيرة تشي لها بقبول من الزوج ورضاء قليل، وتعتقد أنه من خلال الطبخ يُمكنها لفت نظر زوجها، وتذويب الجليد في علاقتهما الزوجية الفاترة.
عندما يعود الزوج، وتسأله عن طبخة اليوم، تكتشف بأنه أكل طبخة غير التي صنعتها، وأن هناك خطأ ما قد وقع.
تصنع "إلا" في اليوم التالي وجبة شهية أخرى، وترفق في الصندوق رسالة إلى الشخص الآخر بأن عليه أن يشكرها على الأقل لإطعامه. يتلقى "سجان" الصندوق، ويقرأ الرسالة، ولكن يردّ بلغة جافة بأن الطعام شهي لكنه مالح.
لمسة حنونة
الصندوق اليومي الذي يفوح برائحة طعام شهية لم يُصبح أداة لنقل ما يغذّي البطون فقط، بل أصبح يغذّي المشاعر عن طريق الرسائل الساخنة التي تبوح بلوعة الوحدة كلٍّ على طريقته.
هي تجد منفذاً جديداً غير حبل الجارة، فتبدأ في سرد حكاياتها اليومية وشكواها من الزوج إلى شخص غريبٍ لا يفضحها. فيما يجد هو صوت الأنثى الذي يفتقده، ولمسة حنونة كانت في يومٍ ما قريبة إلى قلبه؛ فأصبح يجد في الحياة متنفساً، خاصة وهو الذي سيترك عمله بعد حين.
في إحدى رسائله إليها، يبوح فيها عن وجعه الحياتي، يقول: "قضيت حياتي واقفاً في القطارات، واليوم حاولت أن أحجز حفره لقبري، فلم أجد واحدة عمودية، حتى في مماتي يبدو أنني سأموت واقفاً".
"مومباي" المدينة الصاخبة سحقت أحلامه، وسرقت محبيه، يرغب في أن يَرجع إلى قريته؛ ولكن "إلا" المرأة الكاملة تُعيد إليه نسائم الروح، وترجعه إلى صباه حينما تطلب منه أن تقابله. عندها، يصبغ شعره الأبيض، ويبتسم على غير عادته؛ يحلّق ذقنه المسمارية، ويزرع آلاف الاحتمالات في مخيلته.
عندما يصل إلى المقهى الذي حدّدته للقاء، يراقبها من بعيد، تشرب كوباً من الماء، يهاب أن يذهب إليها، هي المرأة الشابة، وهو الرجل المتقاعد المسن. يراقبها كثيراً، وهي تنتظر أكثر، لا يجرؤ على اللقاء المباشر، يكتب رسالة أخيرة، متيقناً أن صندوق الطعام هي وسيلته الآمنة للحفاظ عليها وعليه.
إخراج هادئ
الإخراج السلس والهادئ الذي قدمه المخرج ريتيش باترا في أوّل عمل روائي طويل له، يبشّر بمخرج جيد سبق له أن قدّم من قبل ثلاثة أفلام قصيرة.
