" احترس، يحتوي الفيلم على مشاهد تظهر أمواتا، لذا اقتضى التنبيه". في الظروف الطبيعية، قد لا تثير هذه الجملة الا الاستغراب والسخرية في حال سبقت عرض فيلم سينمائي. فمنذ فجر السينما، والأموات شخصيات يتم تمثيلها في الافلام، جنبا إلى جنب مع العشاق، والمواليد، والمغامرين..إنها عقدة واحدة من أصل عشر عقد تدور حولها كل الأفلام. وقد يختلف الأمر في فيلم وثائقي، إذ يعرب المشاهد عن أسفه لمتابعة شخصية على الشاشة، هي في الواقع، تكون قد فارقت الحياة، لكن ليس لدرجة تحذيره الصريح من مشاهدتها ومتابعة الفيلم بأكمله.
يحدث هذا فقط في حالة واحدة، هي إن كان الفيلم أحد أفلام "الشعوب الأصلية" في بلاد مثل أستراليا أو نيوزلندا (يطلق عليهم تسمية انديجينوس). وهي الشعوب التي كانت تقطن في تلك البلاد، كما في أميركا الشمالية، وغيرها، قبل أن يجتاحها المحتل الأوروبي ويحتلها العرق الانجلوساكسوني معلنا إياها ملكا له ولشعوبه إلى الأبد. وقبل أربعين عاما من اليوم، لم يكن مسموحا لأي متحدر من "أصحاب البلاد" الأصليين أولئك أن يحمل كاميرا ويلتقط بها صورا، كنوع من محاصرة قضية تلك الشعوب والتعتيم على حقوقها التاريخية بالأرض وبالاعتراف بمجازر التطهير العرقي التي ارتكبت بحقها. لكن، ليس بعد العام 2007، حين أصدرت منظمة الـ"يونسكو" التابعة للأمم المتحدة إعلانها الشهير الذي حددت فيه طبيعة وعدد وشكل وأمكنة تواجد تلك الفئات، وحرضت الدول التي تعيش اليوم حقبة ما بعد بعد الاستعمار على الحفاظ على ثقافة الشعوب الأصلية واحترام حقوق معينة لها.
موجة أفلام
خلال السنوات الخمس الماضية، إذا، تزايدت موجة الأفلام المنتجة عن هذه الشعوب، من قبل مواطنيها أو مواطنين من خارج اثنياتها، إلى الدرجة التي فرضت نفسها هذا العام على واحد من أعرق المهرجانات السينمائية الأوروبية، "برلين السينمائي"، الذي أضاف برنامجا خصيصا لتلك الأفلام، يحمل عنوان:" رحلة في سينما الشعوب الأصلية"، ويعرض ما مجموعه 24 فيلما، معظمها وثائقي، من استراليا ونيوزلندا وكندا والولايات المتحدة الأميركية.. حول قضايا تتعلق بهذه الفئة.
معالجون روحيون
وبوسع المشاهد أن يضحك لتلك العبارة التي تحذر من رؤية "الموتى" في بعض تلك الأفلام، ما أثار مفاجأة جمهور الصالات البرلينية، إلا أنه لدى معرفة حقيقة أن قبائل من الشعوب البدائية في استراليا، لا تزال تعتبر ظهور طقوس الموت والموتى للغريب، أو خارج الدائرة الضيقة، نوعا من المحاذير ومحفزا على تحريض "الأرواح".. سيفهم كنه ذلك التحذير.
تقول ميريام ريدباث المشرفة على هذا البرنامج ضمن المهرجان هذه السنة:" حصل معنا هذا بشكل خاص مع الفيلم الوثائقي الكندي Ngangkari لمخرجته ايريكا غلين. وهي، بوصفها تنتمي إلى شعوب الأبورجينال (سكان كندا الأصليين) فقد تمكنت من النفاذ بكاميرتها إلى طقوس الموت التي تعتبر من المحظور إظهارها من قبل شعبها، إذ يعتبرون أمواتهم بمثابة الأشباح التي لا يجوز ظهورها في السينما. لذلك، ومن قبيل الاحترام، أخذت المخرجة اذونات قبل عرض الفيلم، كما كان يتوجب علينا وضع عبارة تحذيرية في بدايته".
وبعيدا عن الأجواء "الغرائبية"، التي لا يمكن إلا أن تغرق المشاهد الغربي في أجواء من "الكليشيه" و"الاكزوتيك" في نظرته للشعوب الأصلية التي احتل ارضها، فهناك أفلام أخرى تبتعد عن تلك الموضوعات لصاح أخرى تظهر الجيل الجديد المتحدر من السكان الأصليين مندمجا مع الحياة المعاصرة وإن كان غير ذائبا بها، أنما متبينا لبعض رموزها، وتحديدا رموز البوب الموسيقي.. كما الراحل مايكل جاكسون.
احتفاء بالمناضلين
هذه قصة فيلم "بوي" (فتى) للمخرج تايكا ويتيتي، والذي تشرح عنه ريدباث:" أنه أحد الأفلام التي أتطلع شخصيا لمشاهدتها، كما أن مخرجه هو أيضا عضو في لجنة التحكيم للأفلام الروائية في المهرجان هذه السنة. وهو يروي، في قالب كوميدي، قصة صبي، تربيه جدته، بعد أن تموت أمه ويدخل أبيه السجن. وعلى الساحل الشرقي لنيوزلندا، حيث يعيش، يكتشف ابن الاحدى عشرة سنة عشقه للمغني العالمي مايكل جاكسون، وحين يذهب لاستقبال أبيه الخارج من السجن، بقبعته ومعطفه الجلدي الأسود، يخاله كما مايكل جاكسون، ويحاول التقرب منه واستعادته طوال الأحداث".
أفلام أخرى أكثر جدية تروي سيرة شخصيات مناضلة من أجل حقوق الشعوب الأصلية، كما فيلم "تروديل" الذي يروي سيرة جون تروديل، الشاعر والممثل والمغني والمناضل:" ربما لا يكون معروفا بالنسبة إلى الجمهور الاوروبي، لكنه أحد الوجوه المركزية في حركة الدفاع عن حقوق الهنود الحمر في شمال أميركا"، تقول ريدباث وتضيف:" الفيلم يصور نضاله وحياته وأعماله". كذلك يبرز في هذه الفئة فيلم الناشطة ميريتا ميتا "باستيون بوينت دي 507" الذي يتناول نضال فئة الماووري (السكان الاصليين في نيوزلندا) لنيل حقوقها. وقد رحلت المخرجة عن عالمنا قبل سنة ونصف ويعيد المهرجان عرض فيلمها كنوع من التكريم لنضالاتها.
وجهات نظر
تفاوتت وجهات النظر حول إقدام المهرجان، المعروف بدعمه لقضايا الانسان ونضالاته (العام الماضي احتفى بأفلام الربيع العربي)، على تخصيص برنامج كامل لسينما الشعوب الاصلية. فاعتبر البعض أن ذلك لا يضيف الا نوعا من القناع المموه حول الاهتمام بقضايا تلك الشعوب التي يجب أن تنتزع في أروقة السياسة والاقتصاد لا السينما، فيما اعتبر البعض الآخر من المراقبين أنه يحسب للمهرجان شجاعته في الاضاءة على هذه النوعية من السينما، حيث يحتفي، عبر الافلام، بتاريخ طويل من نضالات هذه الشعوب المهمشة، وهو فعل ما لم تجرؤ مهرجانات سينمائية أخرى في الولايات المتحدة أو كندا أو استراليا أو نيوزلندا، على فعله، حيث لا يزال السكان الأصليون لتلك البلاد يواجهون قضايا قد تتصل بالاضطهاد والعنصرية، أو النكران.
فيلم "فتى" Boy






