أخيراً كان الجمهور العربي على موعد مع فيلم المخرجة كاثرين بيغلو «زيرو دارك ثيرتي»، الذي أشعل فتيل الجدل بين النقاد وأقطاب السياسة الأميركية على حد سواء، حيث اتخذ الفيلم من أسامة بن لادن وعملية اغتياله، محوراً أساسياً لأحداثه، ورغم قوة الفيلم واستعراضه لعضلات الاستخبارات الأميركية، إلا أنه بدا وكأنه وضع القاعدة وأميركا في كفتي ميزان.
رسالة قديمة
حتى اللحظة، حقق الفيلم إيرادات تجاوزت 77 مليون دولار، ورشح لخمس جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وقد حمل بين مضامينه رسالة قديمة، طالما روجت لها السينما الأميركية، تتعلق بأهمية الأميركي، وتبرز مدى حرص قيادته للمحافظة على سلامته أينما وجد، وهو ما يبرز بين تفاصيل الفيلم، الذي يبدأ بمشهد قاتم تهيمن عليه أصوات استغاثة بثت أثناء وقوع تفجيرات 11 سبتمبر، لتدخلنا مخرجته كاثرين بيغلو من بعدها في معمعة أروقة الاستخبارات العسكرية والسجون، وما يصاحبها من تعذيب، وتطلعنا على تفصيلات غريبة، تعطينا إحساساً بأن كلا الطرفين لا يستحقان المحبة أو التعاطف، سيراً على قاعدة أن الحقوق البشرية تضيع بمجرد بدء القتال.
مسافة واحدة
على عكس فيلمها السابق «خزانة الآلام»، بدت بيغلو تقف هنا على بعد مسافة واحدة من الطرفين، وتحاول جاهدة أن ترى الأمور بأكثر من عين، وهو ما يفسر الهجوم الذي تعرضت له من قبل مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، الذين رأوا أن الفيلم يظهر أن الأميركيين وصلوا لابن لادن بواسطة التعذيب الذي مارسوه ضد أبناء تنظيم القاعدة، ويبدو أن بيغلو قد توقعت مسبقاً هذا الهجوم على فيلمها الذي يكشف، ودون إرهاق لعين الجمهور، عن مجموعة أساليب تحقيق سادية مورست ضد أبناء القاعدة، والظروف السيئة التي يعيشها المعتقلون في أماكن غير معروفة.
ولذلك نجدها قد أشارت بطريقة عابرة لا تخلو من الاستهزاء، بإظهارها الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يقول في خطاب له إنه «يجب أن نعيد لأميركا أخلاقها».
في المقابل، أظهر كاتب الفيلم مارك بول، ذكاءً ملحوظاً في طريقة ربطه بين الأحداث وعميلة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «مايا» (جيسيكا شاستين) تلك الشابة الجميلة والذكية، ما ساهم في إخراج الفيلم من أسلوب التقريرية إلى الحياة الاجتماعية دون الخروج عن التفصيلات التوثيقية.
عنصر الإثارة
في هذا الفيلم، عادت بيغلو مجدداً لتثبت جدارتها في تقديم المؤثرات والتفجيرات، مع إضافة عنصر الإثارة والتشويق والتلاعب بالأعصاب، والتي زادها قوة استخدامها لموسيقا تصويرية أشبه بموسيقا ألعاب القتال الإلكترونية، والتي أدت دورها بشكل جيد في تحقيق الترابط والانسجام بين الأحداث والمتلقّي، وقد ساعدها في ذلك حركة الكاميرا المحمولة، وباهتزاز الصورة عند التفجيرات وكأنها تقتلع الشاشة، وطريقة المزج الصوتي التي بدت رائعة بحق، والذي ساهم في إخراج الفيلم من حالة الجفاف الذي يولده اعتماد وجهة نظر واحدة.
بيغلو قدمت لنا فيلماً متميزاً، يمتد على أكثر من ساعتين ونصف، يتوزع على ثلاثة أقسام رئيسة، يبدأ بمقدمة قصيرة تجمل الأحداث، وتلاحقها التحقيقات والتوقعات، وتختتم في عملية إقناع القيادة باقتحام البيت ومباغته ساكنيه، وتصوير لحظات الهجوم التي بينت فيها خلو جنود الوحدة التي نفذت الهجوم من الرحمة في تعاملهم مع سكان بيت ابن لادن من النساء والأطفال أثناء الهجوم عليه.
قاسم مشترك
حرص الأميركيين على وطنهم وأرواحهم كان قاسماً مشتركاً، جمع فيلمي بيغلو الحالي والسابق (خزانة الآلام) الذي أثار الجدل إبان عرضه، وحاز على الأوسكار، ففي هذا الفيلم، يبدو أن بيغلو اعتمدت كثيراً على هذا القاسم، لتبرير استخدامها لمشاهد التعذيب، وعبارات مختلفة مثل «الجهاديين» و«الإرهابيين» ومجموعة الأسماء العربية التي ترد في الفيلم.
في رحاب الإعلام
حصل الفيلم على تغطية إعلامية واسعة حول العالم، ونال استحسان النقاد بشكل لافت، وهو ما أهله للترشح لخمس جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وأفضل ممثلة، وأفضل سيناريو، وكانت مجلة «هوليود ريبورتر» قد قالت فيه: «تجنب الفيلم عرض الخلفية السياسية، ليركز بدلاً من ذلك على «مايا» عميلة CIA، والتي تمكنت بمثابرتها من تعقب زعيم تنظيم القاعدة الراحل، ما أدى إلى الهجوم الذي شنته قوات خاصة لأسره أو قتله، وليس هناك أي ذكر لبوش أو تشيني أو حرب العراق أو أوباما، وهو يعلن نجاح هجوم الثاني من مايو 2011 على مجمع «ابن لادن» في باكستان».

