لم يكد تأثير فيلم "خطاب الملك" الذي حاز في 2010 على 4 جوائز أوسكار هي أفضل فيلم ومخرج وممثل ونص أصلي يخفت، حتى أطل علينا مخرجه العبقري توم هوبر بتحفة درامية رائعة تحمل عنوان "البؤساء" (Les Misérables) والمقتبسة عن رواية الفرنسي فيكتور هوغو التي تحمل ذات الاسم، حيث قدمها هوبر لنا بطريقة سينمائية جديدة عكست حياة وبؤس الفقراء وأحلام الثوار على إيقاع موسيقي رائع، ما يزيد من فرص الفيلم في المنافسة على جوائز الأوسكار في دورتها ألـ 85 المقبلة.
أوضاع سيئة
الفيلم الذي انتجته شركة يونيفرسال العالمية واعتمدت فيه أساساً على مسرحية موسيقية صيغت عن الرواية الأصلية، وعرضت للمرة الأولى في 1980 وحققت آنذاك نجاحاً كبيراً، ليتم ترجمتها بعد ذلك إلى لغات عدة، تدور أحداثه حول الأوضاع السيئة والظلم الاجتماعي الذي ساد فرنسا أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في الفترة التي شهدت سقوط نابليون بونابرت والثورة التي قامت ضد الملك لويس فيليب ولم يقدر لها النجاح، ويتناولها من خلال شخصيات "جان فالجان" و"جافير" و"فانتين" وغيرهم.
في هذا الفيلم، برهن هوبر من جديد مدى على قدرته في التعامل مع أعمال خالدة بطريقة مثيرة قادرة على الصمود والمنافسة على أرفع جوائز السينما، ولذلك نجده يراهن على رؤيته الخاصة لرواية هوغو، حيث بدا في الفيلم متمسكاً بوجهة نظره في المعالجة السينمائية للرواية التي قدمها بطريقة جديدة، بين من خلالها حرصه على أن يغني أبطال الفيلم أمام الكاميرا مباشرة، وتسجيل الصوت أثناء تصوير المشاهد، وليس في الأستوديو كما هو متبع في الأفلام الموسيقية، وذلك حتى تخرج المشاهد بتلقائية شديدة، ولذلك نجده اعتمد في الفيلم على أبطال سبق لهم الوقوف على خشبة المسرح، ويتمتعون بقوة الصوت مثل هيو جاكمان، وراسل كرو، آن هاثاواي وأماندا سيفريد وغيرهم.
غياب الحرية
المتابع للفيلم والذي يمتد زمنه إلى 160 دقيقة، يستشعر أن القاسم المشترك بين شخصيات "البؤساء" هي لغة الحديث عن غياب حرية الانسان، خاصة وأن هذه اللغة تنبع من خلال الظروف التي أحاطت كل شخصية والبؤس الذي تعيش فيه، من طفلة تحاط بالجهل، وامرأة تجرد من كل شيء بسبب الجوع والحاجة، وغطرسة رجل لا يعرف الرحمة في قلبه، ومتمرد على نظام لا يعترف بوجوده، لكنه يعطى الفرصة لأن يكون شخصاً منتجاً وفاعلاً في مجتمعه غير أنه يبقى مطارداً، وشاباً متعلماً ثائر على أوضاع تسحقه اجتماعياً وسياسياً.
إلا أن هذه الحرية تسترجع مع دماء الشهداء لتعود الأعلام وترفرف في ساحات الحرية وسط مدينة باريس الفرنسية، لينشد الجميع أغنية الحرية في نهاية الفيلم، والتي عبر من خلالها هوغو عن مضمون رسالته بأنه لا يمكن تجريد الإنسان من الحرية أبداً، وهو الذي قال عن الحرية: "إذا حدث وأعقت مجرى الدم في شريان فستكون النتيجة أن يصاب الإنسان بالمرض.
وإذا أعقت مجرى الماء في نهر فالنتيجة هي الفيضان، وإذا أعقت الطريق أمام المستقبل فالنتيجة هي الثورة".
170 مليوناً
إيرادات الفيلم منذ بداية عرضه في ديسمبر الماضي وحتى الآن تخطت حاجز 170 مليون دولار أميركي حول العالم، علماً بأنه حقق في أول عرض له في أميركا مبلغ 18 مليون دولار، وعرض حينها على 2808 شاشات، في حين تشير تقارير موقع شباك التذاكر الأميركي ـ موجو إلى أن ايراداته تجاوزت 100 مليون دولار في أميركا وحدها.
"البؤساء" عربياً
سبق للسينما العالمية تقديم رواية "البؤساء" في أفلام عديدة حملت جميعها الاسم ذاته، وكان ذلك في 1935 و1952 و1995 و1998، أما عربياً فقد عملت السينما المصرية على تقديمها بنسختين حملتا الاسم نفسه، الأولى انتجت في 1944 للمخرج كمال سليم ومن بطولة أمينة رزق وعباس فارس وزكي رستم وسراج منير وفاخر فاخر وليلى فوزي. أما الثانية فقد انتجت في 1978 وكانت من إخراج عاطف سالم، ولعب بطولتها فريد شوقي وعادل أدهم وليلى علوي وعبد الوارث عسر ومحسنة توفيق وفؤاد أحمد.
عيون النقاد
لقي الفيلم إشادة كبيرة من قبل النقاد، وفيه قال كوفي أوتلا: "إن هوبر أعطى رواية فيكتور هوغو حياة ثانية، ونجح في تقديمها بطريقة مميزة وجديدة رغم إنه سبق تقديمها في عدة أفلام ومسرحيات سابقة".
وفي مقالته التي نشرتها صحيفة "الديلي ميل" أثنى الناقد باز باميجبوى على أداء المخرج وتميزه في اختيار نجوم العمل، وأماكن التصوير منحت العمل حيوية خاصة.
وأشار إلى أن أحداث الرواية التي كتبت في القرن الـ 19، تشبه إلى حد كبير الربيع العربي والثورات التي تشهدها المنطقة. في المقابل، أثنت صحيفة الغارديان البريطانية على أداء الأميركية "آن هاثاواي" في دور "فانتين".
ووصفت أداءها بالساحق، وبأن وجهها المعبر فاق في تأثيره أي أداء مسرحي قدم من قبل عن هذه الرواية.
معتبرة أن نص الفيلم بمثابة بعث جديد لشخصيات الرواية الرئيسية.


