يصرخ سائق التاكسي قائلاً "الحاجز مغلق" ويتابع "على اللفة .. على اللفة"، هكذا يبدأ المخرج الفلسطيني خالد جرار فيلمه "متسللون" الذي استحق عليه جائزة النقاد الدوليين للأفلام العربية في الدورة التاسعة لمهرجان دبي السينمائي، ليقدم لنا جرار عبره تجربة سينمائية وثائقية جميلة، تعكس طبيعة معاناة المواطن الفلسطيني نتيجة الجدار الفاصل الجاثم على صدره، وتقدم لنا صورة متكاملة حول كل شيء يدور في نطاق الجدار.
الفيلم مثل حكاية عن الوجع الفلسطيني الذي سببه الجدار، حكاية لم تروها الكلمات بقدر ما قدمتها الصورة الحية، ليبدو الفيلم أنه أنجز على مهل، حيث استغرق تصويره 4 سنوات، ليجد المخرج بحوزته أكثر من 40 ساعة تصوير، خلصت إلى هذا الفيلم.
إيقاع الحياة
المتابع للفيلم، يشعر بأن المخرج لم يُرد أن يكون فيلمه الذي يعد باكورة أعماله السينمائية، خالصاً عن القضية الفلسطينية وتاريخها، كما يبدو أنه لم يحاول تقديم فيلم دعائي عن حياة الناس البسطاء والمهمشين في فلسطين، بقدر ما حاول أن ينقل صورة حية وواضحة عن واقع يومي، وهو ما بدا واضحاً في حركة كاميرا جرار التي لم تكن ثابتة طوال الفيلم، وإنما تتحرك وفق إيقاع الحياة في تلك الظروف لتصعد جبالاً وتركض وتصرخ وتنبض بالخوف والبرد واللهاث كما الناس، لتصل بنا إلى تفاصيل الحالمين والمتسللين إلى وطنهم بطرق مختلفة، ولتنقل لنا صور بعض منفذي الفعل وطرقهم المختلفة ووسائل احتيالهم أحياناً على المواطنين، ويبين لنا أنه لا أحد يتوقف، فلكل فرد هدف وهو الوصول إلى وجهته مهما كلفت الظروف.
حواجز
بلا شك أن الفيلم بني بطريقة فنية جميلة، فقد حاول جرار فيه سرد الحكاية من خلال مجموعة كبيرة من القصص التي وثقها ورافقها في رحلة تسللها إلى فلسطين المحتلة عام 1948، في حين نجده استثمر الصمت بدقة بصفته إحدى الوسائل الفنية في التعبير، إضافة إلى استخدامه للقطات قريبة للنساء الواقفات على الحواجز، كمحاولة منه لخلق توازن بين وجوه المتسللين للجدار وبين طبيعة الحياة اليومية على الحواجز، علماً بأن كاميرا جرار لم تركز في البداية على الوجوه ولم تحاول أن تنقل لنا طبيعتها ومشاعرها ولكنها بقيت تجود بالأصوات. وعموماً هذا الفيلم يبقى متزناً لا يغرقنا بالعواطف، بقدر ما يجعلنا نرى ونتفكر ونؤمن بطبيعة الإنسان، ليدعونا إلى رفض الجدران التي تقتل إنسانيتنا.
مشاهد إنسانية
في الفيلم مشاهد طويلة وكاملة وضعت كما هي دون مونتاج، وبدت رائعة لواقعيتها ولقيمتها العالية في بنية الفيلم، خاصة أنها تعرض للمرة الأولى، ومن أبرزها مشهد الطفل الرضيع الذي يحمله والده عبر نفق للمجاري، ومثل مشهد تهريب الأطفال للكعك من ثقب بالجدار، ولعل أكثر المشاهد تأثيراً تمثل في مشهد الأم العجوز التي تصافح ابنتها من شُق في أسفل الجدار في حين لا تبعد عنها 50 متراً.
