عبدالحنان مصطفى
"اليوتيوب" لغة غيرت تركيبة الفكر السعودي تجاه الصورة في العديد من المقابلات التلفزيونية والصحافية، تتحدث المخرجة السعودية هيفاء المنصور عن تجربتها السينمائية، باندفاع المحب عن الفكر المجتمعي، وفلسفة الحياة وتوازيها مع تحديات المرأة في المجتمعات المحافظة، إلى جانب دور اللغة البصرية ومصداقية الصورة في التقرب من فكر الآخر، والمرور إلى زوايا نقدية لا تستطيع الكلمة المباشرة تحليلها وتفسيرها بوجه مقنع يدعم مفهوم الحق الإنساني في إقرار الحياة والاختيار فيها. ويأتي فيلمها "وجدة" الذي أنجزت تصويره على أرض المملكة العربية السعودية بعد 5 سنوات من الإعداد، احتفالاً بالحياة السينمائية السعودية، نظراً لمروره بعدة ملتقيات سينمائية عالمية، من بينها مهرجانات البندقية وفينيسيا ودبي السينمائي أخيراً، أكدت حوله في حوارها مع "البيان" أن الإقبال الجماهيري والاحتفاء النوعي بفيلم "وجدة" لم يكن سببهما المباشر أن مخرج العمل امرأة سعودية، وقد يحمل هذا البعد جزءاً من رغبة الآخر في معرفة ما يحدث بمجتمعاتنا المحافظة، ولكن يظل معيار النجاح في نظرها متصلاً بالمنحى الإنساني في الطرح، جازمة أن الفيلم إذا فقد صدق انتمائه لقضيته، سيتلاشى وقتها فضول المشاهد تجاه فكرة انتمائه للسعودية، والبحث في حيثيات اعتباره فيلماً سينمائياً، لافتة إلى أن البنية التحتية للسعودية جسر محقق لإنتاج الفيلم السعودي، موضحة أن انتشار الأفلام للشباب السعوديين عبر "اليوتيوب" أسهم في تغير التركيبة الفكرية للمجتمع السعودي تجاه لغة الصورة.
أنظمة متقاربة
5 سنوات لإنجاز فيلم "وجدة" يثير تساؤلات في إصرارك على تصوير العمل في السعودية، والبحث في صناعة بيئة سينمائية داخل المملكة، كيف تفسرين ذلك؟
صعوبة التصوير في السعودية لا تزال تلقى تحديات، فهناك من يتحسس لمشاهدته كاميرا في بعض الأحياء المحافظة جداً، أتذكر أثناء تصويرنا فيلم "وجدة" واجهنا مواقف مشابهة، إلا أنه يبقى استمرار عجلة الإنتاج في السعودية الطريقة الأسمى للتغير. وبالنظر للإنتاج التلفزيوني، وخاصة دراما المسلسلات السعودية أخيراً، فإنها استطاعت خلق بنية تحتية أنتجت مديري تصوير وإضاءة ومونتاج، وجميعهم يمكن استثمارهم في صناعة الفيلم، وشخصياً أتفق مع الرأي القائل إن التعاطي مع الصورة والشكل في التلفزيون مختلف عنه في السينما، لكن تظل الأنظمة الداخلية للإنتاج متقاربة ويمكن الاستفادة منها، باعتبار أن السينما قادرة على نقل الواقع بشفافية أكبر.
عيون خليجية
قدمتِ الكثير من الأفلام منها "الرحيل المر" و"أنا والأخر" و"نساء بلا ظل"، ليشكل الأخير جدلاً واسعاً في الأوساط السعودية، بين الروائي والوثائقي، أين تكمن رؤيتك في العمل السينمائي؟
الفيلم الروائي الطويل هو المشروع الذي أسعى به إلى تطوير تجربتي السينمائية، قدمت تجارب أفلام قصيرة وفيلما وثائقيا، ولكنني أظل مؤمنة أننا نستطيع نقل واقعنا بشكل أعمق من خلال عيوننا نحن الخليجيين. السينما لدينا لا تزال لم تتخذ الشكل النهائي لها، ويجب التركيز على تجديد وتغير لغة التعاطي مع السينما، والسعي لعمل ما يشبه السينما الشخصية.
فكر مغاير
لا نستطيع إجراء حوار مع مخرجة سعودية دونما المرور على موقع اليوتيوب، باعتبار أن المملكة العربية السعودية الأنشط في تحميل الأفلام من فئة الشباب، هل تتابعين إنتاجاتهم ، وكيف تفسرين هذا النشاط عدا أن السعودية لا تملك دوراً للعرض؟
صدقاً لا أتابع كل الإنتاج بصورة مستمرة لانشغالاتي، ولكنني على اتصال بفكرة أن الشباب السعودي نشط على اليوتيوب، باعتباره نافذة عالمية وقناة تواصل، أسهمت وبشكل كبير في تغير التركيبة الفكرية للمجتمع السعودي تجاه الصورة. إضافة إلى أنها حققت تفاعلا متنوعا بين صانع الفيلم والجمهور. وكما تعلمون فإن السعودية لا تملك دور عرض سينمائية، ولا تنظم فيها مهرجانات سينمائية أو ملتقيات، وجميعها يلعب دورا في دعم ملف الانفتاح السعودي عبر الإنترنت.
نبض صادق
لستِ مع فكرة أن الإقبال النوعي على فيلمك "وجدة" ومستوى الاستضافات العالمية الذي ناله سببه كونك امرأة سعودية، وإنما البعد الإنساني في الطرح السينمائي، الذي يبقى معياراً يحدد مستواه التقني في الصورة والإضاءة والسيناريو وطبيعة الجهد المبذول من الممثلين، فهل تعتقدين أن كونك أول مخرجة سعودية، له دور في الاحتواء النوعي، لخلو الساحة السعودية من تجربة تراكمية إلى جانب غياب الدور النسائي الفعلي في المجال؟
السينما ـ كما أشرت مسبقاً وسأزال مصرة ـ احتفال بالحياة والقصص الإنسانية، وقضايا المجتمع هاجس يستمر في التوجس لخلق حالات إبداعية، نتحدث عنها بمختلف الوسائل، والسينما أبرزها، ويبقى صدق صانع الفيلم المحرك الحيوي لنبض الطرح.
