جميلة تلك الذاكرة الشعبية، عندما تستقي منها، ملامح فنية ثقافية لظواهر اجتماعية، وخاصةً ما قدمته شاشة الفن السابع لعالمنا العربي عامةً، والإمارات على وجه الخصوص، من إثراء تاريخي، وحركة اجتماعية، منطلقة نحو قراءة الحضارات الأخرى بعين إنسان هذه المنطقة. وبين سبعينات وثمانينات القرن الماضي، اتخذت الأفلام الهندية لنفسها مكاناً في ذاكرة المواطن الإماراتي، وشكّلت نسيجاً لصناعة بانورامية فنية، عززت مشهد التبادل الثقافي بين الإمارات والهند، على مدار سنوات طوال، توازياً مع الاستثمار الاقتصادي وفعل التجارة في المنطقة. وبيّن الباحثون في مجال التراث الشعبي الإماراتي أن سينما "بوليوود" ساهمت في إحداث تغيرات مجتمعية لمكوّنات النسيج الإماراتي، أدت إلى تراكمات لاتزال مختزنة في اليوميات المحلية المعاصرة.
ظواهر مجتمعية
في حديث صب باتجاه، تجربة مشاهدة الأفلام الهندية، ودورها في إحداث ظواهر اجتماعية في الإمارات تاريخياً، ولاتزال أبعاده متجذرة في الحياة الإماراتية الحالية، قال الباحث عبدالعزيز المسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، أن هناك العديد من الممارسات الاجتماعية، التي أثبتت الحلقة التبادلية بين الإماراتيين ومشاهدتهم الأفلام الهندية، وتأثر أهل المنطقة بها، من خلال نماذج متنوعة منها: الزواج من هنديات في تلك الفترة، فالأفلام قدمت المرأة الهندية بشكل مثالي، ساهم في فكرة الارتباط فيها، وأبدع تركيبة أسرية جديدة، شكلت ظاهرة مجتمعية، وليست فقط حالات استثنائية ، معتبراً أن جزءاً من اللغة الأوردية في اللهجة المحلية مستمد من المشهد السينمائي، وقال في ذلك: هناك مفردات لاتزال حاضرة في المنطوق المحلي مثل كلمة (لوفر)، لافتاً إلى مسألة التأثيث المنزلي، وسينوغرافيا المكان، فقد عمد الإماراتيون إلى تغيير أشكال الديكور داخل بيوتهم، تأثراً بالأفلام الهندية، عبر شرائهم للوحات لمناظر طبيعية، وتعليقها على الجدار مثلاً، إضافة إلى الملبوسات المتنوعة والمزيج بين الزي التراثي الإماراتي والهندي.
عروض
شهدت صالات العرض السينمائية المحلية في تلك الفترة مختلف عروض الأفلام الهندية منها: فيلم "كولي" من بطولة النجم الهندي المعروف أميتاب باتشان، وفيلم "شولاي" و"شان"، و"أمار اكبر انتوني" و"ديوار". وعُرضت بعضها بشكل ملفت، أبرز القاعات المعروفة، في تلك الفترة منها: سينما هارون وديرة ودبي ومترو والشارقة وريفولي. وبعيداً عن التأثر المباشر للأفلام الهندية في المنطقة، فقد تشكل حول قاعات السينما في الإمارات نسيج اجتماعي، تمثل في بناء مطاعم ومقاه وسوق أقمشة، وأسواق سوداء لبيع التذاكر، جميعها ولدت استثماراً لمنطقة التجمع للأفراد، لمشاهدة الأفلام السينمائية في تلك الفترة.
ثقافة سينمائية
وأشار المسلم إلى أسباب استمرار تعلق المشاهد الإماراتي للفيلم الهندي إلى الآن، مرتئياً أنها حاضرة لدى النساء في الإمارات بشكل أكبر، وعبر في ذلك: "لنكن واقعيين، فالبنات الأكثر تعلقاً الآن بمشاهدة الأفلام الهندية، والسبب الطرح الاجتماعي والرومانسي لمحتوى الفيلم الهندي، والذي عادة لا يلفت الرجال اليوم».

