جمع المخرج السينمائي السوري عمار البيك في فيلمه الوثائقي الدرامي (إسبرين ورصاصة) بين محاور عدة، تابعها المشاهدون على مدار ساعتين من دون ملل، بسبب عنصر التشويق والجرأة العالية غير المألوفة في الطرح. وتمثل عنصر التشويق في الربط بين عدد من الحكايا لأفراد من نسيج المجتمع، وبين مشاهد تجمع بين مخرجين عالميين وأخرى من أفلامهم المرتبطة بصورة غير مباشرة بحكايا الأفراد.

تأخذنا حكاية الفنان والمصور الفوتوغرافي نصوح زغلولة إلى حياة إنسان انطلق من بيئته المحلية المغلقة إلى عوالم باريس المنفتحة، ليحكي على مراحل، بأسلوب عفوي وكوميدي وبجرعة عالية من المكاشفة، عن المفارقات بين العالمين. كان المخرج ينقل بالمشاهد بين الحكايا، فتارة نلتقي مع والدته المتقدمة في السن غير القادرة على الحركة التي كانت عفويتها في الكلام تأسر المشاهد.

وأخرى نقف في محطة مع مشهد من فيلم لأحد المخرجين العالميين ولقاء صامت معه، باستثناء ما قاله المخرج مانويل أوليفيرا عن صديقه المخرج الفرنسي روبرت بريسون الذي تحدث عن أخلاقيات السينما التي لا تقترب من الخاص، بل تبحث في التحليل والعمق من دون اقتحام خصوصية الفرد.

 بوح كريستالي

انطلق البيك من قناعة روبرت بريسون بخصوصية الفرد، ليناقض في كافة حكايا الفيلم تلك الخصوصية وأي تحفظ على مختلف الأصعدة، حيث نعيش مع تفاصيل ودقائق حياة مغرقة في الخصوصية بين ذكريات زغلولة، ومفردات الأم العفوية المحدودة التي تحكي بصمتها الكثير، والعلاقة مع الآخر.

ننتقل مع زغلولة من عالم الغناء المحمل بفلسفة الحياة، إلى هواجسه في الماضي وعلاقته بالمرأة بين الشرق والغرب، وهواجس الحاضر ومخاوفه، لينتقل البيك معه من السرد الواقعي إلى مشاهد تغريبية، ما أفقد بعضاً من تفاعل المشاهد مع مصداقية ما يشاهده.

كنا نترقب بشغف مشاهد الأم وحكايا الفنان بين لقاءات ومشاهد المخرجين، لنشعر بفقدان الإيقاع مع بعض المشاهد التي تخرج عن السياق العام، كما هي إعلانات الدعاية التي تقتحم عروض الأفلام التلفزيونية. ومع ذلك استطاع المخرج أن يمسك بانتباهنا، مع إضحاكنا من الأعماق ونقلنا من حالة انفعالية إلى أخرى، بين التأمل والرومانسية وحقائق الحياة الصادمة والتي ندر ما تم تناولها.

أما المشاهد الخاصة بالمخرج مع الممثلة والتي أراد أن يؤكد من خلالها على أهم القناعات المرتبطة بصناعة السينما، مثل متابعة السينمائي لحدسه، وكيفية التعامل مع الكلمات ومصداقية السينما، فكانت مفتعلة بعض الشيء، ومقحمة على العمل في طريقة طرحها الأقرب إلى افتعال الحوار.

كذلك الأمر مع مشاهد الممثلة في تجوالها بين الحارات القديمة على موسيقى موزارت، التي شكلت بحد ذاتها قيمة جمالية فنية عالية بالأبيض والأسود، وإن لم تنسجم مع سياق العمل. والأمر نفسه مع مشهد إسبرين ورصاصة، الذي لم يعرف محله من الإعراب إلا بعد لقاء المخرج.

اقتحام مبرر

من المحتمل أن يكون المخرج مدركاً هذا الاقتحام، بقصد تقديم جرعة مختلفة بين الحين والآخر، سواء على صعيد المعلومة أو غيرها، كما هي الحياة معنا، حيث لا نحصل منها على ما نهوى فقط، فنحن بحاجة إلى غذاء فكري وروحي متنوع المصادر.