(استبدلت قبعتي الحمراء الصوفية (شاشية) التي أعرف بها عند الجميع، بقبعة أخرى لونها أسود، كي أضلل البوليس، الذي كان في البداية يتبعني كظلي، خلال رحلة تصويرنا لفيلم (لا خوف بعد اليوم). ونجحت الخطة، واستطعنا تصوير عملنا الوثائقي بعد رحيل بن علي في 14 يناير)، هكذا قال المخرج التونسي مراد بن الشيخ في مستهل لقاء مع (البيان)، تحدث فيه عن فيلمه وعن ظروف تصويره، كما تحدث عن الصناعة السينمائية في تونس، وعن آفاق تطورها.

يعتقد مشاهد فيلم (لا خوف بعد اليوم) أن تصويره تم خلال أيام الثورة وقبل رحيل بن علي، فهل واجهتم أي مخاطر؟

صورنا الفيلم بعد 14 يناير، فمن الاستحالة النزول إلى الشارع بالكاميرا والبوليس في كل مكان. ربما لو كنا من الإعلام الأجنبي لتركونا بحالنا، لكن كوننا تونسيين وبكاميرا هذا مستحيل في ذاك الوقت! حتى بعد رحيل بن علي واجهنا العديد من المخاطر، كما كان هاتفي تحت المراقبة. ومشهد الاعتصام في 28 يناير الذي صورت أحداثه في الفيلم، مشهد حي على ما قاموا به وإن لم يتجرؤوا على القتل كما في السابق. أما مصداقية العمل ومقاربته لأيام الثورة الأولى، فتم من خلال عودتي مع الفريق إلى الأماكن التي تواجدت فيها خلال الأحداث، كما ساعدتني الأفلام التي كانت تصور من قبل الأفراد خلال أيام الثورة والمتوفرة على الانترنت. واستعنت بكوادر الناس الذين سبق وشاركوا في الأحداث في أحياء عديدة.

الشخصية الأولى التي تطالعنا في الفيلم تعاني مرضا عصبيا فهل هي واقعية أيضاً؟

لم تكن لديّ أية فكرة كيف أربط أحداث الفيلم بحبكة درامية. ووجدت مدخلي لاحقاً، من خلال الإحصائيات التي أشارت إلى أن 50 % من المجتمع التونسي يعاني انهيارا نفسيا في السنوات الأخيرة، نتيجة الخوف الذي زرعته السلطة فينا. وبدأت رحلة البحث عن شخصية تمثل هذا الواقع. اتجهت إلى مستشفى الأمراض النفسية وبمساعدة طبيبة، وبحث استمر لأكثر من شهر، وجدت الإنسان الذي يعكس هذه الحالة، فهذا المريض الذي يبدأ الفيلم بسرد جزء من قصته، أصيب بانهيار عصبي، نتيجة الضغط وحالة الاختناق التي كان يعيشها. وكان علاجه يتم في إطار الفن، حيث كان يمزق الصور ليعيد جمعها ولصقها كفن الكولاج. وجدت في هذا العلاج، الحبكة التي ربطت أحداث الفيلم. أما تدخلي الوحيد فتمثل في تقديم المجلات والصحف التي تحمل صور أحداث الثورات العربية. ومن خلاله جسدت حالة انهيار جدار الخوف في البداية وإعادة بناء المجتمع في النهاية. كانت قصاصاته، صور متناثرة من ذاكرتنا التي أعدنا بناءها من خلال إعادة هيكلة المجتمع التونسي.

ذكرت في النقاش بعد الفيلم أن ثورة تونس هي ثورة الشهادات العليا وليس ثورة الياسمين وغيرها من الشعارات، ماذا تعني بذلك؟

ثورة تونس تنبع من وعي المجتمع الذي امتلك الفكر والعلم والثقافة. كانت ثورة تونس سهلة بسبب هذه المقومات، فهي ثورة كرامة وانتماء. والدليل على كونها ثورة تحمل مقومات الثقافة والوعي، أن الجميع عاد بعد رحيل بن علي إلي إيقاع حياته والالتزام بعمله، إحساساً منهم بالواجب، وإدراكاً بمسؤولية البناء وليس الهدم.

ما الذي تغير عندك بعد نجاح الثورة؟

أنا في الدرجة الأولى مواطن تونسي، وأسوة بغيري كان شعورنا بالانتماء قبل الثورة منقوصاً. وبعد حصولنا على حريتنا اكتمل شعورنا بأنفسنا كمواطنين، لنبدأ بإعادة بناء هيكلة دستورنا، بما يحقق الكرامة والحرية والعدالة الإنسانية لكل فرد بصرف النظر عن انتماءاته.

هل تعتقد أن الهجرة غير الشرعية من تونس ستتوقف الآن؟

هذا الموضوع غير مرتبط بواقع تونس. وكمثال بسيط على ذلك ما شهدته خلال زيارتي الأخيرة لنيجيريا. من يصدق أن وجبة عشاء المواطن الفرنسي التي تكلفه 90 يورو في أحد المطاعم الراقية، تكفي لتعليم طفل في نيجيريا على مدار عام كامل مع توفير الطعام والملبس والإقامة وكافة مستلزمات الدراسة؟! والسياسة بين دول العالم الأول والثالث عبر التاريخ، هي المسؤولة عن الهجرة غير الشرعية. فالدول التي نهبت الثروات، ودعمت الأنظمة الفاسدة لتحقيق مكاسبها من ثروات تلك البلاد، تدفع الآن ثمن أطماعها وهو ثمن قليل مقارنة بما قاموا وتسببوا فيه.

ما تصورك للسينما التونسية مستقبلاً؟

يتم العمل حاليا على إعادة هيكلة قطاع السينما بصورة مستقلة عن هيمنة رقابة الحكومة. ويدرس القائمون عليها حالياً، وسيلة الجمع بين الدعم الحكومي والقطاع الخاص فيما يتعلق بالتمويل، كذلك دراسة منهج تسويق الأفلام. وصناعة السينما التونسية ليست بحديثة فتاريخها يعود لما يقارب من 100 عام، وبالتأكيد ستشهد السينما التونسية نهضة نوعية في المرحلة القادمة.