إيماناً بمكانة مدينة دبي كملتقى للسلام وحوار الحضارات، ومن أجل أن تكون الحياة حالة إنسانية مشتركة، ومكاناً يؤمن بالعيش المشترك، يأتي مهرجان دبي السينمائي الثامن، عنواناً نوعياً لتحويل مفردات المحبة والمصالحة والتسامح إلى واقع عملي، عبر افتتاح فعاليات (يوم الجسر الثقافي- سلام) مساء أمس، بمدينة أرينا جميرا، و"ذا ووك" في جميرا بيتش ريزيدينس، لتأكيد كونه «ملتقى الثقافات والإبداعات»، حيث افُتتح الحدث بفيلم (تيرافيرما)، للمخرج الإيطالي إيمانويل كرياليس، صاحبتها أنشطة تفاعلية في الهواء الطلق لعروض موسيقية نوعية من مختلف البلدان العربية والعالمية.

 

قضية إنسانية

فيلم الافتتاح "تيرافيرما"، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، في مهرجان فينيسيا السينمائي 2011، أثار أسئلة عدة حول اتجاه الذات والآخر، عبر طرح قضية إنسانية، تثير اللغط أينما حلت، وهي الهجرة غير الشرعية، وحلم البقاء، بعيداً عن أنظمة وسياسات ما زالت مصدر إذلال وإهانة كما تؤمن شعوبها.

وتكمن قدرة الفيلم في الإقناع، حيث دارت أحداثه على جزيرة إيطالية قريبة من القارة السمراء، عائلة من العائلات الإيطالية التقليدية التي تعمل في مجال السياحة البحرية، يجد أفرادها أنفسهم أمام معضلة أخلاقية كبرى، كيف ينبغي عليهم التعامل مع الوافدين إلى ديارهم، خاصة أن الشرطة دائماً في ملاحقة هؤلاء.

 

مشكلة عالمية

تضمن الفيلم توجهين في الطرح: جانب يري المشاهد ماذا يعني أن يكون الشخص مهاجرا غير شرعي في أوروبا في الفترة الراهنة، وبين الضمير الإيطالي ووضعية القوانين التي تحاكم من يمد العون لهؤلاء الوافدين من خلف البحر. ومن جهته اعتبر مخرج العمل أن الأفلام الإيطالية المتعلقة بأمور الهجرة باتت الأكثر تطرقاً لهذه المسألة، كون إيطاليا تشهد أكبر موجة للهجرة في التاريخ.

مضيفا أنه في ما يتعلق بقبول الآخر فهي مشكلة عالمية، حيث إننا أصبحنا نميل إلى الانعزال عبر الحصول على وسائل الإنتاج والعمل بتفرد تام. وأشار إلى أن تواصلنا أصبح وهمياً وليس حقيقياً، ومن هنا تدخل مشكلة عدم تقبل الآخر، من خلال أن نراه منافساً وليس جزءاً في منظومة العيش المتكاملة، ومن دونه لن يشهد أحد على وجودنا في هذا الكوكب.

 

معاناة مخرج

درس إيمانويل كرياليس في نيويورك، عندما كان في السادسة والعشرين، ومر بمعاناة فعلية تلمس عبرها مشروع العيش بصورة غير قانونية، فعندما أنهى دراسته خلال ثلاث سنوات في الولايات المتحدة الأميركية، وجب عليه العودة إلى وطنه لأنه لم يكن يملك عقد عمل، يضمن له البقاء. أنتج خلالها كرياليس ثلاثة أفلام قصيرة، لم يكن يملك المال لتقديمها.

وبعد إنجاز الدراسة، حيث كان يعيش مع صديقه فينتشنزوداماتو، وهو بطل أفلامه، أصبحت إقامته غير شرعية، ليعيش معاناة المهاجرين، حيث أصبح عمره الثلاثين عاما حينها وبدأ بالتفكير بمرحلة التأليف والكتابة، عبر اختيار العزلة في جزيرة لامبيدوسا، وواجهته في البداية موجة رفض لبعض السيناريوهات التي استطاع بعد محاولات أخرى، التحول من مرحلة الإحباط إلى التفاؤل والعمل.

ومنها فيلم "رسبيرو" الذي حاز على جائزة أسبوع النقاد، ما أتاح له فرصة أكثر لإثبات نفسه أكثر فأكثر، وأٌصدر بعدها الفيلم في فرنسا، ويؤمن كرياليس أن مجمل أفلامه تتقاطع في نقاط مشتركة. وهو يرى أن الحاجة إلى صناعة الفيلم تأتي من أجل الخروج من الواقع الذي لا نفهمه أحيانا كأفراد، فهو يشعر بمشاعر غضب معينة ضد العالم، والسينما تصنع عالماً خاصاً، لا نعتبره هروباً وإنما القدرة على إعادة تفسير الحياة تفسيراً آخر.