أعتبرُ تكريمي في دورة "دبيّ السينمائي" الثامنة بمثابة اعترافٍ بخبرتي في الفنّ، لاسيما، عندما يأتي هذا التكريم من دولةٍ عربية وهي الإمارات، وأعلم بأنّ المهرجان كرّم في دوراته السابقة 3 فنانين مصريين كبار هم : فاتن حمامة وعمر الشريف وعادل إمام، وعندما أصبح في نفس مستواهم، فهذا شهادة تقدير كبيرةٌ لي ولبلدي مصر.

هكذا بدأ الفنان جميل راتب حواره الذي خصّ به "البيان" من باريس مقر إقامته، والذي لا يزال يعتبر نفسه ممثلاً مصرياً، حيث يبدو أكثر تواضعاً بعيدا عن المُبالغات التي كتبتها الصحافة العربية عنه، ووصفته بالممثل العالميّ، وفي هذا اللقاء يتوقف أمام محطات مهمة في مشواره الطويل مع الفن .

 بداية صعبة

ـ في الأربعينات عندما كنت في مصر، وقبل سفري إلى فرنسا، مثلتُ دوراً بسيطاً في فيلم بعنوان "الفرسان الثلاثة"، وكنت أحبّ التمثيل، وكانت عائلتي تُعارضني، ومنعتني من مشاركتي في الفيلم، وطلبت من المخرج بأن يحذف المشهد الذي مثلته، كانت الأبواب، بالنسبة لي، مغلقة تماماً، كنت في تلك الفترة أدرس الحقوق، ثمّ قررت السفر إلى فرنسا لإكمال دراستي، وكان لديّ منحة اعتمدت عليها في معيشتي، توقفت بعد أن تركت الحقوق، والتحقت بمدرسة التمثيل، وبدأت أعمل مع فرقٍ بسيطة في مسارح صغيرة، وأشارك في أدوار رئيسية، كما عملت في أشغالٍ يدوية كثيرة كي أنفق على نفسي، اشتغلت كومبارس، وفي سوق الخضار، ونادل في مقهى، ومترجما، ويوماً بعد يوم، أصبحت معروفاً كممثل، وهكذا أكملت مشواري، كانت الخطوات الأولى من حياتي الفنية صعبة، ومع إصراري، بدأت أحقق أهدافي تدريجياً.

 رحلة السبعينات

ـ في أواخر السبعينات، ذهبت إلى مصر لإنهاء أعمالٍ عائلية، وتعرفت على الشاعر صلاح جاهين، كان إنساناً عظيماً وصديقاً، ومن خلاله اقترح عليّ المخرج كرم مطاوع دور البطولة في مسرحية بعنوان "دنيا البيانولا"، وافقت، وخلال فترةٍ قصيرة انهالت عليّ العروض من أهمّ مخرجي السينما، والمسرح، والتلفزيون ومنذ تلك الفترة، بدأت أخطو خطواتٍ جديدة في حياتي، وفي الحقيقة لم يكن هدفي التمثيل في السينما، ولم أكن أحبّ الوسط السينمائي، وكنت أفضل العمل المسرحي ممثلاً ومخرجاً، ولكن انتقالي إلى السينما، والتلفزيون حوّل حياتي الفنية وكسبتُ شعبية كبيرة في مصر.

 محطات مهمة

بعد نجاحي في مصر اشتركت في أعمالٍ مهمة جداً، هناك بعض الأفلام المصرية التي أعتبرها من أهمّ أعمالي، مثلاً "الصعود إلى الهاوية" للمخرج كمال الشيخ تسلمت أول جائزة تمثيلٍ عن هذا الفيلم، ثمّ "البداية" للمخرج صلاح أبو سيف، وحصلت عنه على جائزةٍ من أحد المهرجانات في سويسرا، وفيلم "لا عزاء للسيدات" للمخرج بركات مع الفنانة فاتن حمامة، وهناك فيلم "شيشخان" حصلت عنه على جائزة في إحدى دورات "بينالي السينما العربية" بباريس، وأخرى في باستيا (كورسيكا)، وفي هذا الفيلم كنت أتحدث اللهجة التونسية، وعندما أجريتُ اختبارات تمثيل للمرة الأولى، طلب مني المخرج بأن أتكلم باللهجة المصرية، أو اللغة الفرنسية، قلت له : لا يمكن، أمهلني أسبوعاُ، وبالفعل، بعد أسبوع بدأت أتحدث باللهجة التونسية، ولكن اللهجة الأسهل، بالنسبة لي، هي المصرية طبعاً.

 جيل الشباب

في مرحلةٍ من مسيرتي الفنية عملت مع الكثير من المخرجين الشباب الذين كانوا ينجزون أفلامهم الأولى، وكنت سعيداً بأن يعرضوا علي أدواراً في أفلامهم، كانوا يعتبروني من نوعية الممثلين القدامى، من خلالهم تعرفت على السينما الجديدة، وأولئك الشباب، وثقافتهم، فيما بعد أصبح البعض منهم مشهورين، كانوا يشكلون مستقبل السينما المصرية، ولم تكن أفلامهم تافهة، كانت تمتلك مضامين اجتماعية، وسياسية، وكان ذلك الجيل يمتلك هماً ثقافياً في تلك المرحلة المهمة في السينما المصرية.

وبما أنهم كانوا شباباً، فقد كانت لديهم اهتمامات بالقضايا الاجتماعية والسياسية، وقدموا في أفلامهم مواضيع محظورة مثل الجنس، الدين، والحريات، ولن أقول عنهم بأنهم شباب الثورة اليوم، ولكنهم كانوا يعكسون في أفلامهم الأفكار الشبابية، عندما كنت ألتقي بواحدٍ منهم، أحرص على التعرّف عليه، والاقتناع بأفكاره، كانت مغامرة بالنسبة لي، فقد لا ينجح الفيلم، ولكن، عندما كان يحقق نجاحاً، كنت بدوري أنجح معه، وكان من المهم أن ينجز هؤلاء تلك الأفلام التي أصبحت اليوم علامة في السينما المصرية ، ومن الأدوار المهمة التي أعتزّ بها دوري في فيلم "جنينة الأسماك" لمخرجه "يسري نصر الله"، والطريف بأنني حصلت على جائزةٍ عنه على الرغم من صغره.

 السينما العربية

كانت لي محطات مع الأفلام العربية منها، فيلم "سيدة القطار" لمخرجه المغربي مؤمن السميحي، ومن تونس عملت مع فريد بو غدير، ورشيد فرشيو، وكان "شيشخان" أول فيلم مثلته في تونس، وهناك فيلمٌ آخرٌ مهم من الناحية السياسية، "كش مات" للمخرج التونسي رشيد فرشيو، يلخص حكاية رئيس جمهورية فاسد في بلدٍ عربي، يعيش في الغربة، ويراجع حياته الماضية، وأعتقد بأنّه مناسبٌ للعرض في هذه الفترة.

 مكاسب عالمية

عملت مع مخرجين أجانب، مثل ديفيد لين، العمل معه مكسبٌ عظيمٌ لأيّ فنان، ومن ثمّ كان أول فيلم أجنبي اشتركت فيه هو "ترابيز" لمخرجه كارول ريد، وأيضاً عملت في فرنسا مع مارسيل كارنيه، وهناك ممثلٌ عظيمٌ جداُ عملت معه في فيلم "لورانس العرب"، وأصبح من أكبر أصدقائي، هو أنطوني كوين، وكان يعتبرني مثل أخيه الصغير، واكتسبت الكثير من علاقتي معه، وكنت محظوظاً في فرنسا لأنني عملت مع ممثلين مهمين مثل لوران تيرزييف، وسوزان فلون.