أخيرًا تم عرض فيلم المخرج الأميركي تيرينس ماليك شجرة الحياة في صالات السينما المحلية، بعد شهور طويلة من حصوله على سعفة مهرجان كان الذهبية، وعرضه منذ شهر تقريباً في مهرجان بيروت السينمائي، وبعد أن تعرض إلى الانقسام بين الجمهور وأثار خلافات عميقة بين النقاد، وسواء انتصر الجانب الإيجابي على السلبي أو العكس، يبقى هذا العمل رغم عدم تحقيقه نجاح ساحق في شباك التذاكر، جدير بالمشاهدة، لأنه من خلال قصة حياة أسرة، يمنحنا تفسيراً لتاريخ العالم ومعنى الحياة، ويدفع بنا إلى التفكير بأشياء نسعى للأسف إلى تجاهلها، ولأنه أيضاً يضعنا أمام حقيقة أن على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.

 

معنى الحياة

تدور قصه فيلم شجرة الحياة حول أب ترك أسرته لعقود من الزمن، وبعد ذلك قرر العودة والبحث في المعنى الحقيقي للعلاقة بينهم، وتجرى الأحداث بداية منذ عام 1950 حيث حكاية جاك الصبي في الحادية عشرة من عمره، ورحلته من طفولته البريئة إلى مرحلة الصبا، ثم إلى خيبة الأمل مع سنوات النضج كونه فقد روحه بهذا العالم المعاصر، وسعيه لاستعادة معنى الحياة وعلاقته مع والده وأخوته، حيث يجد جاك نفسه ضائعاً، وتشهد علاقته كثيراً من التوتر مع والده، الذي يفقده نتيجة عصبيته وحدته وهو انعكاس لظروف عمله، وحينما يفقد جاك ارتباطه السوي مع والده يحاول تعويض ذلك بالعلاقة مع والدته، والتي هي الأخرى تأخذ أنماطاً من الحدة كنوع من تأكيد الذات، ونعيش تلك المشاهد بين زمنين الأول فقدان الأخ والثاني فقدان الأب، وبينهما يختبر جاك أول تجاربه مع المرض والمعاناة والموت، فيتحول العالم أمامه إلى مكان يصعب العيش فيه.

 

التسامح والغفران

يكبر الطفل ويشعر أن روحه تائه في العالم الحديث، ولكنه يحاول مسامحة والده ويغفر له، ليأخذ بعد ذلك خطواته الأولى في الحياة، وتنتهي القصة بزرع الأمل من جديد وتسليط الضوء على الجمال والمتعة في كل شيء حول جاك، ومن خلال ذلك السياق تذهب بنا الكاميرا إلى تحليل عميق ومتأمل في حالة الفقدان، ومع المواجهات والرفض، تتحرك الحكايات في زمنين مختلفين، الأول الطفولة والثاني الكبر، وتجسد المشاهد من خلال لقطات سريالية، الظواهر البركانية وانجراف المياه، وتلك الظواهر تذكر الابن أباه في صغره، في استعادة للحظات حياته الماضية، والتي تحيط بها كآبة كبيرة، لأسباب كثيرة ومنها المرض الذي أصابه.

لغة الصورة

يعتبر الفيلم رحلة عميقة إلى صميم التجربة الإنسانية، حيث الموت والحياة لا يتعايشان دائماً بسلام وطمأنينة، مع إبهار سينمائي تمتزج فيه الأزمنة والأماكن المتباعدة بعضها عن البعض، ولقد وصلت فيه حرفة السينما إلي ذروة عالية من البراعة، فبفضل كاميرا المصور المكسيكي ايمانويل لوبيزكي، شاهدنا أمثلة مدهشة علي براعة التصوير، يصعب التعبير عن روعتها بلغة الكلام، وبفضل عبقرية التوليف في عملية المونتاج انسابت صور شجرة الحياة تشع ملامح عصور، بعضها يرجع إلى الانفجار الكوني الكبير، وبعضها يرجع إلى خمسينات القرن الماضي، وبعضها يرحل بنا إلى الزمن المعاصر في ولاية دالاس، حيث يعمل أكبر أولاد تلك الأسرة شون بن، وفجأة تنتقل بنا إلى ما بعد نهاية الزمان، وكل ذلك ينساب أمام أعيننا، متجولا بين تلك العصور المختلفة زماناً ومكاناً، ذهاباً وإياباً، بحيث بدا وكأنه يجمع بينها انسجام خلاق، يسعى بالوجود إلى مزيد من الصعود والارتقاء، والفيلم بإيقاعه، وابتعاده عن أسلوب السرد التقليدي، يعلمنا الدرس الأهم في حياة أي إنسان، وهو القدرة على الإيثار.

رحلة عبر الزمن

 

استغرق تيرانس ماليك أربع سنوات لإعداد فيلم شجرة الحياة، الذي ينافس بقوة على جوائز الأوسكار المقبلة، وقرابة السنتين من عمليات المونتاج، وصنع قطعة فنية جميلة وصلت في النسخة الأصلية للعمل إلى ست ساعات قبل تقصيرها، لتعرض تجاريا في مدة ساعتين و20 دقيقة، وهناك نية لدى المخرج لطرح النسخة الطويلة في فيلم وثائقي يحمل عنوان رحلة عبر الزمن.