فيلم «ألمانيا» الذي عرض ضمن برنامج أفلام عالمية معاصرة في مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي، كوميدي ساحر متعدد الثقافات، يعكس موضوع الهجرة فيه مادة سينمائية تصدرت قائمة طويلة قدمت لنا طوال السنوات الأخيرة عدداً وافراً من المساهمات، التي تعالج على نحو جدّيّ وبطرق مختلفة تتناسب هذا الموضوع المعقد، ويقارب هذا الفيلم الذي حمل عنوانا فرعيا «أهلاً وسهلاً في ألمانيا» هذا التوجه بمجمله ولكن على نحو مغاير أضفى كثيراً من الضحك، وحرك مشاعر الجمهور بين الماضي والحاضر خلال رحلة مليئة بالذكريات.

أسلوب ساخر

يقدم فيلم المخرجة الألمانية ذات أصول تركية ياسمين سمديرلي قصة عائلة مهاجرة من خلال ثلاثة أجيال بطريقة طريفة وذكية تتناول الفروقات الثقافية ومستويات العلاقة بالمجتمع الألماني، من خلال حياة عائلة تركية هاجر جدّها إلى ألمانيا في الستينات، وبعد 45 عاماً من الغياب، يقرر الذهاب مع أولاده الأربعة وعائلاتهم في رحلة إلى قريته الأناضولية، حيث تدور أحداث الفيلم بين رحلتين، رحلة العائلة الحالية، ورحلة الاستقرار في ألمانيا قبل نصف قرن، وتتولى السرد حفيدة ولدت في ألمانيا، في محاولة للإجابة عن سؤال هوية طرحه عليها ابن خالها الصغير تسنك ذو الستة أعوام، هل أنا تركي أم ألماني؟، وانطلاقاً من هذه السؤال، يتناول الفيلم بأسلوب ساخر وناقد مسألة الهوية والضغوط التي يتعرض لها المرء لتحديد الانتماء لهذا البلد أو ذاك.

حياة أفضل

تسنك يلماز ولد في ألمانيا وترعرع فيها، إنه من أبناء الجيل الثالث من المهاجرين، لا يعرف من اللغة التركية سوى القليل جداً، ولكنه لا يفهم كيف سقط بين طريقتي الحياة الألمانية والتركية على هذا الشكل، وتروي الحفيدة الأكبر كيف جاء الجد حسين يلماز وعائلته قبل خمسة وأربعين عاماً كواحد من «العمال الضيوف» إلى ألمانيا الاتحادية، حيث كان يحمل معه الأمل بحياة أفضل، كما أنه كان يحمل أيضاً بعض الأحكام المسبقة إزاء الألمان «غير المؤمنين»، الذين يأكلون لحم الخنزير ويستعملون «كراسي» في التواليت، والرائع في حكاية العائلة هو المنظور غير المألوف للسرد، هذا المنظور الذي يدع المتفرج يعايش بطريقة حيوية الخطوات الأولى للتركي الطيب في ألمانيا، ومأزق اللغة الألمانية التي تتحول إلى رطانة غير مفهومة، وعملية شراء المواد الغذائية التي تصبح عذاباً للأم، و«الفئران المربوطة بحبال» التي هي عبارة عن (الكلاب قصيرة القوائم) ولا يملك المتفرج تجاهها سوى أن يهز رأسه ضاحكا وساخرا.

صورة واضحة

وبمهارة تحرك المخرجة التركية الألمانية وشقيقتها نسرين، التي شاركتها كتابة السيناريو جميع الخيوط في دقة فائقة، وتمد القوس بين آنذاك واليوم وترسم صورة رقيقة لكل فرد من أفراد الأسرة، فهناك على سبيل المثال عم تسنك المولع بتناول الكوكا كولا وابنة عمه كنان التي لا تعرف، رغم كونها متحررة وواثقة من نفسها، كيف عليها أن تُعلم الأسرة بحملها قبل الزواج، وأخيراً جد العائلة حسين، الذي لا يريد أن يعرف شيئاً عن الحصول على جنسية ألمانية، ويؤثر إقناع كل أفراد الأسرة للقيام برحلة إلى تركيا، تكون عواقبها غير متوقعة ولا مثيل لها. ولا تعطي المخرجة السينمائية الشابة إجابات واضحة أو جاهزة على كل الأسئلة، بل نرى أن أفراد العائلة الواحدة يختلفون في تعاملهم مع مسألة الهوية، فالجنسية الألمانية بالنسبة إلى جيل الجد مجرد ورقة، فيما تعني أكثر من ذلك لأبنائه وأحفاده، ومن هنا نطالب بضرورة عرض هذا الفيلم في مهرجانات وصالات عربيّة مختلفة للاستفادة واكتساب المزيد من الخبرات.

لغة مرحة

ومع كل الدلالات والإشارات لم ينجُ فيلم «ألمانيا» من فخّ الإفراط في الشرح أحياناً، والسذاجة أحياناً أخرى، فيما نجح على مستويات أخرى، منها جمالية الصورة وكسر النظرة النمطية السائدة إلى الأتراك في السينما الألمانية، وتجاوز فكرة التكريس للمعتقدات الدينية، وإشكاليّات متكررة مثل موقع المرأة في المنظومة التقليديّة للمهاجرين.

إيرادات وجوائز

حقق فيلم «ألمانيا» للمخرجة ياسمين سامديرلي إيرادات بلغت ١١ مليون دولار، وهي إيرادات ضخمة لفيلم غير أميركي عرض في ألمانيا التي تربطها بتركيا روابط كثيرة أبرزها الجوار الجغرافي، ونال استحسانا كبيرا حين قدم في مهرجان برلين السينمائي العام الماضي، وكذلك حصد جائزة «لولا الفضية» كأفضل سيناريو والتي تمنح خلال العام لأهم الأفلام الألمانية.