اعتمد صناع الفيلم المصري «18 يوم» الذي جمع ضمن اجزائه 10 افلام قصيرة وعرض ضمن فعاليات «أبوظبي السينمائي» في دورته الخامسة، على نواياهم الحسنة وحماسهم، في تكوين رؤية متكاملة عن الثورة، ونتيجة السرعة ارتبكت الصورة الإجمالية التي أرادت أن يكون العمل فيلما واحدا من 10 أجزاء، فتداخلت وتكررت الأحداث، وإن بقيت التلقائية الشديدة للأفكار وأداء الممثلين عنصرا مميزا ارتفع بالفيلم في مناطق هبوطه الكثيرة، لاسيما وهو يعيد ويزيد في مقاطع لحظات أحداث ميدان التحرير وما تمخّض عنها من مُتغيّرات خلال 18 يوما، حيث سارت كل الحكايات على النمط والوتيرة نفسها، بخلاف بعض الألفاظ غير المناسبة والبذيئة التي تهبط بالذوق العام، ولا يصح وجودها، ومن المؤكد أن الرقابة بعيدا عن المهرجان سيكون لها موقف حاسم في حذفها.
حالة «الارتباك» التي بدت واضحة في الفيلم، مبررها الوحيد انجازه على عجل نتيجة استقبال مهرجان «كان» له، لأن العالم كله كان يريد أن يرى عملا فنيا عن الربيع العربي، ويستطيع من شاهد فيلم «التحرير 2011» أن يكتشف ذلك بسهولة، لأن الفيلم الثاني أكثر تماسكا في أجزائه الثلاثة.
الأغلبية الصامتة
وفي استعراض سريع لأجزاء فيلم «18 يوم»، يقدم المخرج شريف عرفة، أول الأعمال بعنوان «احتباس»، وفي هذا الفيلم تظهر مجموعة من المرضى في مصحة الأمراض النفسية والعقلية، منها الإسلامي، أو المتدين الذي اعتبرته السلطات الأمنية إسلامياً إرهابياً مجنوناً، ورجل الأعمال الذي تآمر عليه مسؤولون في الدولة بالاشتراك مع أولاده للحجر على أمواله بإدخاله مستشفى المجانين، وأستاذ التاريخ والإعلامي وضابط الشرطة وشاب في مقتبل العمر، يشاهد النزلاء انفجار الثورة على شاشة التلفزيون، ويتابعونها، ثم ينقسمون حولها بين مؤيد ومعارض.
ضابط الشرطة في ناحية مضادة للثورة، وبقية المجموعة مع الثورة، وكأنه يريد إيصال رسالة مفادها أن كل نزلاء المستشفى ـ يمثلون الأغلبية الصامتة التي لم تشارك في الثورة ـ كانوا ضحايا القمع وظروف تدفع إلى الجنون، أو إلى الانفجار الذي هو نتيجة طبيعية لاحتباس بخار الغضب.
سكان العشوائيات
أما فيلم «خلقة ربنا» للمخرجة كاملة أبو ذكري فاختار زاوية أخرى للثورة، من خلال قصة فتاة من سكان العشوائيات في القاهرة، تعيش هي وأهلها من فتات بيع الشاي والقهوة على كورنيش النيل، وحلم الفتاة أن تتزوج ولذلك تصبغ شعرها، غير أنها تقع في أزمة ضمير، وتسأل نفسها هل يحق لها كمسلمة متدينة أن تغير من خِلقة ربنا؟ وتعايش المظاهرات وتنضم في لحظة غضب إلى المنادين بـ»التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية»، وهو تحول قد يكون غير مقنعا، ولكنه يعبر عن انضمام البسطاء للثورة، بعيدا عن رجال الشرطة الذين يشاركونها قوتها وعائلتها بفرض إتاوة لممارسة البيع على الرصيف.
وائل غنيم
الفيلم الثالث بعنوان «19 ـ 19» وهو للمخرج الشاب مروان حامد، ويحكي حكاية شبيهة بما حدث للناشط المصري وائل غنيم، فبطل الفيلم مدير مبيعات لشركة أنتل للكمبيوتر في منطقة الشرق الأوسط، ويتهمه ضباط أمن الدولة بأنه خطط للانقلاب على نظام الحكم، فتبدأ جلسات التعذيب التي يتحملها وهو معصوب العينين، وفي مشهد يقول للضباط إنه يريد الاعتراف، ولكن بشرط أن ينظر في وجه الضابط، وعندما يأمر الضابط بذلك، يقول له: إن التعذيب تعويض عن العجز الجنسي الذي يعاني منه مَن يقوم به، نظرية استمدها بطل الفيلم مما قرأه عن ضباط «الجستابو» في ألمانيا النازية، وهي تفسير للقمع العنيف والتعذيب الوحشي اللذين سادا السجون المصرية.
الفقراء المهمشون
أما فيلم «إنْ جالك الطوفان» للمخرج محمد علي فيعرض قصة الفقراء والمهمشين الذي لا يرون في الثورة سوى سبب للرزق والانتفاع، إنها قصة من يبيع الأعلام للثوار، وصور حسني مبارك لأتباع جماعة «آسفين يا ريس»، وفي فيلم «حظر تجول» للمخرج شريف البنداري نرى قصة إنسانية بسيطة، عيبها الوحيد هو الإطالة الشديدة، طفل يريد الاشتراك في الثورة، ولو عن طريق أن تُلتقط له صورة أمام دبابة، غير أن جده يرفض. لكن الطفل يدعي المرض، فيذهب به الجد إلى المستشفى، وعند عودته إلى المنزل يُفاجئ بفرض حظر التجول، وبعد انتهائه في الصباح يقف الطفل على دبابة منتصراً.
الغلبان والبلطجي
وفي فيلم «كحك الثورة» يؤدي أحمد حلمي باقتدار دور المواطن البسيط الذي يسير بجوار الحائط، نموذج للمصري الغلبان الذي لا يريد بأي حال أن يتعرض للمساءلة، يسيطر عليه الخوف والعجز، فيحبس نفسه في دكانه بالقرب من ميدان التحرير لمدة ثلاثة أيام. أما فيلم «تحرير 2/2» للمخرجة مريم أبو عوف فيتعرض لما اشتهر لاحقاً باسم «موقعة الجمل». إنها قصة قاتل مأجور»آسر ياسين» من بلطجية الحزب الوطني، يعيش في أحد الأحياء العشوائية، يقضي يومه نائماً من أثر المخدرات التي يتناولها ليلاً، ولا يستطيع أن يعول امرأته «هند صبري» ولا أطفاله.
نهاية الفيلم
وقدم المخرج الشاب أحمد عبد الله في الجزء الثامن قصة شاب وشابة، الأول يتابع الثورة عبر الفيسبوك والفضائيات، والثانية ناشطة تشارك في المظاهرات، إلى أن يتقابلا بعد سقوط نظام مبارك أمام دبابة، أما فيلم المخرج يسري نصر الله «داخلي خارجي» فيعرض قصة انضمام الميسورين والمثقفين، أو بالأحرى الفنانين يسرا ومنى زكي إلى الثورة وتعطشهم الى الحرية، ومشاركتهم في الحلم بحياة جديدة، وفي نهاية الفيلم يأتي الجزء المؤثر «أشرف سبرتو» للمخرج أحمد علاء، وفيه يتحول دكان حلاق إلى مستشفى ميداني لمعالجة مصابي المظاهرات، ويعيد الحلاق إلى الأذهان زمن مضى في القرية عندما كان يقدم مهاماً طبية إلى أهلها.
تجربة جديدة
يعتبر فيلم «18 يوم» تجربة سينمائية جديدة من نوعها، حيث انه يتكون من 10 أفلام روائية قصيرة، اشترك في تنفيذها، مجموعة من المخرجين والممثلين، بدون اجر، وتم تصويره عقب ثورة 25 يناير بأيام، وسبق أن عرض في مهرجان كان السينمائي، ويعرض للمرة الأولى عربيا في الإمارات.
