الحقيقة تكمن في جملة مرت عابرة لكنها أساسية، حين يمازح المنظم أحد محترفيه بالقول: إن أردت أموالاً إضافية عليك خسارة هذه المباراة، ويشرح له أن خسارته ستدفعه لتنظيم مباراة ثأرية لرد الاعتبار وبالتالي جني الأموال ـ ماكينة مال متنقلة ـ هي هكذا لكمات متتالية وشعور الإنسان الأولي، العنف سيد الحلبة والضرب ماكينة مال لا تتوقف.

بالدم يبدأ، وبالدم ينتهي. في (مدينة القتال) للمخرجين بيتر ايبرلين ومايكل تاكر تتبع الكاميرا أحد منظمي ما يسمى بمباريات (فنون القتال المتعددة) في أميركا، وهي النقيض للتمثيلات المسرحية في ما يعرض على شاشات التلفزة من المصارعة الحرة. ولربما كان هذا السبب الذي دعا عدداً من الجمهور لحضور فيلم وثائقي. وهو ما يؤكده التصفيق المتواصل عند انتصار أحد المصارعين، على اعتبار أنك تشاهد فيلماً حقيقياً ويستحق التشجيع لا كمسرحيات القتال على الشاشات.

 

واقع وثائقي

العنف غير مفرط على عكس التوقعات حين تعرض شاشات التلفزة مظاهر أكثر إيلاماً في تلفزيون واقع الثورات العربية المستمرة. هنا لم يكن الوثائقي حقيقياً أكثر من الحقيقة نفسها. كوري جوديس يتحدث عن مهنة حياته التي ورثها ع أبيه وجده. ويعرض الفيلم إعجاب زوجته بنمط حياة الزوج الذي انتقل إلى تنظيم هذه المباريات وتدعمه فيها مع الأولاد الذين لا يزالون صغاراً، وتقول الزوجة لن أقف في طريق ابني لو أراد أن يكون ملاكماً، تستغرب من عاطفة الأمومة التي تحملها هذه المرأة، برغم الدماء التي تسيل على حلباتها في كثير من الأحيان.

لا يرى كوري أن الموت وارد في المنازلة نتيجة اللكمات، معتبراً أن وزن قفاز الملاكمة البالغ 150 غراماً، لن يسبب سوى أضرار سطحية. مباشرة تقفز صورة محمد علي كلاي والباركنسون الذي أصابه من رياضة الملاكمة، لا فنون القتال المتعددة التي تقام على حلبات مغلقة أشبه بحلبات صراع الديكة، ويعتبر أن الموت وارد على حلبة الروديو مثلاً، ويقول: نحن لا نسوق للقتال إنما نسوق للترفيه.

 

شروط الترفية

هذه الصناعة الترفيهية كما يدعي صاحبها، لها شروط قاسية من قبل السلطات الصحية، لكنها لا تتنازل عن شرط الترفيه فالفتيات الراقصات قبل بدء أي نزال، والاستعراض الذي يقدمه مذيع يرفع من حماسة الجمهور، ويدفع بالأدرينالين إلى أقصى حدوده من أهم العناصر فيها. النظرة المحدقة من أهم التمرينات التي يخوضها الملاكمون.

والضرب عنصر تتعرض له باستمرار. نتتبع مسيرة أحد المحترفين الذي يتحدث عن ضرب والده لأمه وشعوره بالعجز حيال ذلك، آخر يرى في القتال طريق الخلاص من أزماته التي أخذت به خارج المدرسة على دروب السجن الإصلاحي للمراهقين.