في بناء فني رائع يعتمد الفيلم على التفاصيل الإنسانية الدقيقة، والمشاعر المختلفة المتضاربة للناس داخل المجتمعات الفقيرة نظرا للجهل وللحملات الإعلامية التي أثارت الذعر تجاه مرض الإيدز أو ما عرف علميا بفيروس نقصان المناعة المكتسب، وبقدر ما يبتعد موضوعه عن الدخول في متاهات المعلومات العلمية، يحمل بعفوية مقصودة رسالة توعية لتغيير الصورة السائدة في الوطن العربي عن هذا المرض الفتاك وعن المعاناة التي يمر بها حاملو الفيروس خلال رحلة العلاج والتعايش مع أخطر نوع من الأمراض التي لم يكتشف علاج ناجع لها حتى الآن ويخشاه الناس بفزع حتى من مجرد ذكر اسمه.
اهتمام سينمائي
وموضوع فيلم أسماء جديد من حيث المعالجة على السينما العربية، قديم في السينما العالمية يعود إلى عام 1986 التي اهتمت بهذا المرض منذ اكتشافه، وقدمت أعمالا وقصصا واقعية انبثقت من المجتمعات، ومنها فيلما نظرات خاطفة على وداع لبيل شيروود، وفيلادليفيا المنتج عام 1993 ومثل دور البطولة فيه توم هانيكس وواشنطن دنزل، والذي حرك تابوهات كان مسكوتا عنها ويتكلم عنها الجميع في الخفاء.
في فيلم عام 2011 الذي يقدم ضمن مسابقة آفاق جديدة في المهرجان، وحمل عنوان أسماء وهي فتاه حقيقية من ريف مصر في الأربعين من عمرها، عانت من مرض الإيدز، وقررت عدم الاستسلام له، وخاضت حربا عنيفة ضده سواء بالسعي لعلاج نفسها أو بث الأمل في قلوب كل المصابين، بعد أن أمتنع الأطباء عن إجراء عملية جراحية لها خوفا من التلوث، وبعد أن رفضها زملاؤها في العمل وأجبروها على تركه حرصا على أنفسهم، وبالتالي فإن مرض الإيدز ليس هو بطل الفيلم، بل تلك المرأة البطلة التي طالبت بحقوقها من أجل حل مشاكلها وهمومها، أو بإيجاز هو فيلم عن الخوف فلدى كل منا خوفه الخاص، ومن هذا المنطق انطلقت الحكاية.
رؤية الفيلم
حاول الفيلم في رؤيته أن يبتعد عن التعامل مع المرض في صورة الوصمة التي خلقها الإعلام باعتباره شبحا مخيفا خاصة أن البعض في البلاد العربية يتعامل معه كأنه لعنة قاتلة، وقدم قضية أراد من خلالها أن يحاكم نظاما صحيا واجتماعيا للأسف لا يزال موجودا ومعروفا بصرامته وقسوته الشديدة.
قصة جديدة
أسماء فتاة عادية جدا، وقد ترى فتيات كثيرات في الشارع المصري والعربي مثلها، ولكن وراء كل فتاة قصة لا نعرفها، فكل وجه نتطلّع إليه يُخفي وراء ابتسامته أو عبوسه قصة ما تصلح لفيلم، وحكاية أسماء مثال جيد للتضحية، فهي من طبقة فقيرة تجتهد في صنع وبيع السجاد بإحدى القرى لتعيش هي ووالدها، تتزوج من شاب أحبته يمتلك مع أخيه قطعة أرض، أمله في الحياة أن ينجب بعد فشل أخيه نتيجة إدمانه وتعاطيه حقنا مخدرة، يدافع زوج أسماء عنها ضد جشع تاجر آخر تنافسه في السوق الصغير فتنتهي المشاجرة بمقتل التاجر ودخول الزوج السجن، وداخل المحبس دون ذكر أسباب يصاب الزوج بالإيدز.
وبعد قضاء العقوبة يخرج ليواجه الحياة وزوجته التي تجبره على النوم معها مضحية بحياتها من أجل تحقيق حلمه في إنجاب الوريث، وتكون في النهاية فتاة تأخذها بعد وفاة الزوج إلى القاهرة للاختفاء من الناس ونظراتهم في القرية بعد معرفتهم بمرضه وعدم حضورهم جنازته، وفي المدينة الكبيرة تواجه أسماء مرضها الذي تخفيه عن ابنتها واقرب صديقاتها وأهل شارعها ما عدا والدها الذي يعرف الحقيقة كاملة، وفي ظل أزمة صحية جديدة تتعرض لها تتطلب إجراء جراحه عاجلة في المرارة، يحيط بها زملائها المصابين بالمرض نفسه داخل إحدى الجمعيات الأهلية التي ترعاهم ويحاولون مساعدتها.
نهاية فاضحة
وفي الوقت الذي تطرد من العمل ويرفض بعض الأطباء إجراء العملية لإصرارها على عدم إخفاء حكاية مرضها بالإيدز عنهم، لا يصبح أمامها ملاذا سوى قبول الظهور علانية في برنامج صفيح ساخن للمذيع محسن السيسي، الذي يقوم بأدائه ماجد الكدواني مكررا طريقة الأداء نفسها التي ظهر بها في فيلم 678 مع اختلاف الشخصية، التي تبدو شديدة الإنسانية وتختفي تحت لسان سليط وطويل، ويسيطر الخوف على أسماء من الفضيحة ومن معرفة الناس لحكايتها، بعد خطبة ابنتها التي عاشت من أجلها، وتقدم أحد زملائها في الجمعية للزواج منها لحمله المرض نفسه، فهل تستطيع كسر حاجز الخوف، وهل تنجح في كسب تعاطف الناس معها وعدم خوفهم منها؟، نهاية الفيلم التي لا نريد أن نحرقها فاضحه للجميع من دون استدرار للدموع.
