إن كانت دراما الحياة، ومشاكلها، وتأثيرها الدامي اليومي هي دراما السينما؛ فإن ما تفعله «مايوين» مخرجة الفيلم الفرنسي «بو ـ ليس» الذي عُرض ضمن برنامج سينما عالمية في مهرجان أبوظبي السينمائي، هو فك شفرات هذه الدراما إلى مكوّنات ليست بالضرورة في حالاتها القصوى، ولكنها تجمع بين تراجيديا الحياة وكوميديتها السوداء في مواقف كثيرة تمر خلال الفيلم الذي هو في ذاته تركيب مزدوج للحالة الشعورية التي لا تنتابك أنت المُشاهد فقط، ولكن تدخل في صلب شخصيات العمل المتعددة والثرية والتي تعيش حياتها القلقة، والمتقاطعة مع الآخر ولكنها في ذات الوقت مرحة، وصاخبة، ومقبلة على الحياة.
يدور الفيلم حول مكتب لحماية الأطفال في الشرطة، وهو مقتبس عن قصص ووقائع حقيقية، يحقق فيها مجموعة من أفراد الشرطة المدنية في الاعتداءات التي تتم على الأطفال، سواء أكانت ضربا، أو تحرشا جنسيا، أو نشلا أو هجرا، أو فرارا وفقدانا، وذلك في الوقت الذي تتم فيه مداهمة بيوت والقبض على مغتصبي الأطفال والنشالين القصر، أو فتح ملفات مع الآباء الذين يمارسون فعل الضرب على أبنائهم، أو تحقيقات مكثفة في المكتب، تنخرط في عوالم الأطفال البائسة، وما يتعرضون له من إهانة روحية وجسدية، وفي المقابل يُعاني على الجانب الآخر أفراد الشرطة من التعب النفسي لشدّة ما يواجهونه من قضايا تفوق تحمل البشر، فنجد أنهم ينزلقون في عذاباتهم الحياتية والأسرية، وتؤثر حالات الأطفال تلك في تغييب الجانب العاطفي تجاه زوجاتهم، وأطفالهم، وأرواحهم الشفافة، ولكنهم يواجهون ذلك بشيء من المرح، ويقوم الفيلم في معظم مشاهده على أبحاث توثيقية تعتمد عليها الأداءات العفوية والقوية التي يقدمها جميع الممثلين.
عالم الشرطة
هم من الحساسية والرهافة بحيث تأخذهم طبيعة عملهم في دوامة الدفاع عن حقوق الآخر، الذي هو بالأساس بحاجة إلى عناية خاصة، تأخذهم إلى الانجراف التام لماهية فقدان المتعة الحياتية لأجل مستقبل الآخر الذي لا تربطك صلة قرابة أساسية به، سوى الصلة الإنسانية، في حين أن القريب والأثير يخسر هذا الود.
غير أن ما يجمع هذا الفريق هو الروح المتعطشة للحياة، وما يفرقهم هو وجهات النظر تجاه ما هو إنساني خالص، أو ما هو إنساني ولكن غير خالص، وهذه العذابات تسبب الأذى لهذه المجموعة المتجانسة في ظاهرها، وهم أيضاً أناس لهم خطاياهم وإن كانوا يؤدون وظائف «شُرطية» في المحافظة على أمن المجتمع، وهم يستخدمون أشكالاً متباينة من القسوة تجاه الضحايا الصغار عندما يستجوبونهم لاستنطاق الحقيقة، وضد الجناة عندما يرغمونهم على الاعتراف، وضد أسرهم عندما يتوهون في مآزق الآخرين، وضد بعضهم بعضاً عندما يعرّون علاقاتهم الشخصية فيما بينهم، لكنهم يظلون أولئك الحرّاس على أوجاع المجتمع وعلى الحقيقة التي يواصلون دائما البحث عنها.
تحقيق وثائقي
مايوين تقترب إلى شخصيات الفيلم بحذر، الضحايا من الأطفال تتناولهم بلغة أقرب إلى التحقيق الوثائقي مع لمسات درامية عاطفية، بينما تتمازج حركة الكاميرا المحمولة في أغلبها، مع اللقطات المقربة، والحوارات المطولة في مشاهد الفريق الشرطي التي لا تخلو من الكوميديا، والضحك وبالتأكيد ضد ألم الحياة، وأحياناً لا تشعر بأن الكاميرا موجودة أصلاً، لذا تعتقد لوهلة أن الأطفال هم الضحايا الحقيقيون، وأن الفريق من أفراد الشرطة الأصليين، وليسوا الممثلين، وهذا الإقناع يدفع الفيلم لأن يقترب بقوة إلى الشخصيات التي لا تعتمد على بطل واحد، بل على مجموعة من الأبطال الذين يتجانسون معاً في الأداء حتى في لحظات خلافاتهم الشديدة كما في المشهد ما قبل الختامي عندما تتعارك فيه شرطيتان، ويتوتر فيه الجو لدرجة الغليان.
