لم يكن غريباً أن يكون لـ (الربيع العربي) حصة في مهرجان أبوظبي السينمائي هذا العام، وإن بدت خجولة بعض الشيء ومتمثلة فقط في فيلمين مصريين الأول هو «18 يوم»، والذي لاقى حفاوة واحتفاء خاصاً في مهرجان كان الماضي ويعرض الخميس المقبل في مسرح أبوظبي كاسر الأمواج، والثاني «التحرير 2011، الطيب والشرس والسياسي» بعد عرضه في مهرجاني فينسيا وروتردام السينمائيين، ويشارك هذا العمل الذي عرض أول من أمس، ضمن المسابقة الوثائقية في المهرجان وشاهده حضور كثيف من الجمهور العربي والأجنبي، حيث صفق بحرارة أكثر من عشرة مرات خلال العرض، وضحك وبكى من الصورة التي سجلت مآسي وسخرية الشعب المصري تجاه نظامه الذي سقط.
بداية الثورة
اعتمد فيلم «الطيب» للمخرج أحمد عزت على لقطات تم تصويرها في بداية ثورة 25 يناير المصرية وأثنائها، وبنى المخرج السيناريو الذي شارك في وضع رؤيته الفنية المخرج أحمد عبد الله، على شاب يذهب إلى «ساقية الصاوي» أسفل كوبري الزمالك، ويطلب من مديرها عبد المنعم الصاوي أن يوافق له على إقامة معرض للوحات كتب عليها مشاعره أثناء الثورة المصرية، مطالباً بفتح المجال لكل من شارك بأن يكتب ما يحس به على هذه اللوحات، واعتمد الفيلم على شخصيات تنتمي لعوالم مختلفة شاركت في ميدان التحرير، لكنهم جميعاً من أبناء الطبقة الوسطى، ومنهم أسامة حسين الطالب بالجامعة الذي ينتمي لشباب الإخوان المسلمين، والطبيبة التي شاركت في المستشفى الميداني، ومطرب الثورة رامي عصام، والمصور الصحافي أحمد هايمان الذي ترك حلم عمره ودورة تصوير فوتوغرافيا كان يحلم بها في الدنمارك ليعود إلى مصر ليشارك في الثورة بالتصوير، والناشطة نازلي حسين، ويستعرض الفيلم كل هذه الشخصيات التي التقت في الثورة، ويرصد كيف تحول ميدان التحرير إلى شبه جمهورية مستقلة.
ومن خلال تلك الشخصيات نرى سرداً لأهم الأحداث خلال الـ 18 يوماً، حيث قالت الطبيبة إن الكثيرين أصيبوا بانهيارات عصبية بعد الخطاب الثاني للرئيس المخلوع، وكانت أكثر العيادات نشاطا في المستشفى الميداني هي العيادة النفسية، واعتمد المخرج في التصوير على الكاميرا المحمولة التي أعطت للمشاهد إحساساً دائمًا بالتوتر وواقعية الطرح، ومزج ما بين الوثائقي والروائي في السرد، إلا أن السيناريو بدا غير مترابط قليلا، خصوصا وأن كل الشخصيات تصلح أفلاما وحدها والجمع بينها ساهم في اختصار الكثير من التفاصيل.
جهاز الشرطة
في فيلم «الشرس» الذي أخرجته آيتن أمين، نشاهد أربعة ضباط ينتمون لجهاز الشرطة يحكون كيف كانت تفكر الشرطة وقت الثورة، وظهرت وجهات النظر الأربع متناقضة، وبدا هناك اختلاف بين الأجيال، فالضباط الأكبر عمرا كانوا مقتنعين بما فعلوه، في حين كان الضباط الشباب أكثر ترددا، واختارت آيتن التسجيل مع أحد ضباط أمن الدولة الذي قدم استقالته، وقال لها إنه استقال بعد أربعة أشهر من العمل في هذا الجهاز المشوه والمشبوه، وأصبح يعمل في مجال السياحة بشرم الشيخ، وهناك ضابط بالأمن المركزي رفض أن تظهر صورته واضحة، رأى أن ما فعلته الشرطة أثناء الثورة كان صحيحاً، وأن الثوار كانت بينهم عناصر مندسة.
أما ضابط الأمن المركزي الشاب فأكد على أن الشرطة كانت ضحية أيضا لأنها كانت عصا النظام للدفاع عن فساده في جميع المجالات، وقال إنه لو أخذت لقطة للقاهرة من السماء ستجد لونها أخضر بسبب كثرة سيارات الأمن المركزي التي حولت مصر لدولة بوليسية، بدا السرد في الفيلم محايدا بين طرف يعتقد أن ما فعلته الشرطة كان واجبا مهنيا لا أكثر، وطرف أدان ما فعلته والشرطة، وثالث مترددا بين الاثنين، والرسالة الضمنية أن الثورة لم تغير كثيرا في تفكير ضابط الشرطة، وإن كانت الأجيال الأصغر عمرا ما زالت في حيرة، وحينما واجهت المخرجة ضابط الأمن الكبير بأنه لماذا تستخدم الشرطة التعذيب والضرب لممارسة عملها؟ فلم يستطع الرد.
صبغة سياسية
وفي فيلم «السياسي» الذي ينتمي لنوعية الكوميديا السوداء، اختار مخرجه عمرو سلامة أن يلعب على فكرة 10 خطوات، لكي تصبح ديكتاتوراً منها صبغة الشعر ووضع صورتك في كل مكان واستغلال الأعلام وصنع عدو غير موجود والتوريث وغيرها، واعتمد علي فواصل جرافيك وأسلوب ساخر، وتحدثت في الفيلم شخصيات سياسية مثل محمد البرادعي ومصطفى الفقي وحسام بدراوي والصحافي بلال فضل والأديب علاء الأسواني، وكشف الفقي للمرة الأولى أن علاء نجل الرئيس المصري المخلوع مبارك اتصل به قبل الثورة وقال إنه يشعر بأن هناك شيئاً سيحدث بسبب ما يفعله شقيقه جمال بمصر.
وقال بدراوي آخر أمين للحزب الوطني إنه قال لمبارك قبل التنحي أرى مصير شاوشيسكو يقترب لو لم تتنح، وتعرض الفيلم للكوافير الشهير محمود لبيب الذي كان يصبغ شعر الرئيس المخلوع باللون الأسود كل يوم أربعاء، وكان يمر عليه كل مسؤولي الدولة من وزراء وقيادات الحزب لفعل الشيء نفسه، وأصبحت الصبغة جزءًا من الشكل العام للسياسة والمجتمع المصري كما يقول بلال فضل، فالجميع يتجمل ويدعي بما ليس فيه، وكان الفيلم مكملًا للفيلمين الآخرين، وتعد هذه الثلاثية وثيقة مهمة، تعكس تكاملا رائعا، من خلال وحدة الصورة والموضوع والحدث والترابط بين الشخصيات، وتؤكد أيضا تألفا وتألقاً متميزاً بين المخرجين الثلاثة.
