سنة حافلة ومهمة لمهرجان كان السينمائي في دورته الـ 64 على أصعدة كثيرة، ومنها حضور عربي مكثف، حيث أصبح المهرجان يستقطب الكثير من العرب، مهرجانات، نقاد، صحافة، إعلام، مخرجين، مبرمجين، مديري مهرجانات، منتجين، وممثلين وآخرين لم نرهم في بلدانهم منذ سنوات، وهذا الحضور في المهرجان الأكبر والأضخم في العالم هو ملتقى حقيقي للالتقاء، والبحث والتعاقد والتشاور والبحث عن فرص تمويل، وربما أيضاً تصفية حسابات لدى البعض.
وفي اليوم الأخير للمهرجان، سنحت لـ «البيان» فرصة اللقاء مع رئيس مهرجان دبي السينمائي عبد الحميد جمعة، وكالعادة، كشف عن عدّة حقائق تُعلن للمرة الأولى، وعن مدى أهمية المهرجانات، ليس فقط في دورها التوعوي والثقافي والتنموي، بل وتأثيرها الاقتصادي المباشر على المدن التي تُقام فيها، ففي دبي على سبيل المثال وصل المردود الاقتصادي لمهرجان دبي السينمائي نحو 188 مليون دولار، وفيما يلي تفاصيل الحوار:
كيف تنظر إلى الدورة 64 من مهرجان كان السينمائي؟
أعتقد أنها من أقوى الدورات التي حضرتها خلال السنوات التسع الماضية من عدّة جوانب: أولاً - برمجة الأفلام بلغت ذروتها؛ حيث امتازت بالقوة، والتنوع، والتوازن. ثانياً: حضور النجوم بشكل مكثف. ثالثاً: القوّة الاقتصادية لسوق كان السينمائي حيث تُعقد الصفقات، ويتم الشراء والبيع. خامساً: الحضور العربي، وأهمية الاحتفاء بمصر، ووجود أفلام من تونس ولبنان؛ بالإضافة إلى الحضور الخليجي المميز من خلال مهرجانات المنطقة.
لماذا باعتقادك هذا التهافت العربي على مهرجان كان؟
حضورنا في كان هو للوصول إلى القطاع السينمائي، وشركات الإنتاج، وللسوق العالمية، محاولين عقد الاتفاقيات الثنائية، والصفقات التي ستعود على الصناعة السينمائية بالفائدة القصوى، وتعزّز من هذه الريادة التي عُرفنا بها. اللقاءات مع شبكة المنتجين ووكلاء المبيعات والتوزيع؛ استقبال رؤساء المهرجانات الدولية، اللقاءات اليومية المكثفة مع اللاعبين الأساسيين في الصناعة. كل هذه أحداث نعتبرها تدخل في نطاق فهمنا المختلف في مدى جدية المهرجان في إحداث نقلة نوعية وحقيقية على صعيد تنظيم المهرجان، والدور الذي يجب أن يلعبه في النهضة الصناعية، وهذا لا يعني إطلاقاً بأننا لن نحافظ على استقبال النجوم أثناء المهرجان، وأن نحتفي بهم بضيافة عربية نشتهر بها، وكل هذا يجعلنا ملتزمين بحضور هذا المهرجان.
هناك أربعة أفلام عربية في الاختيارات الرسمية لمهرجان كان ساهمت مهرجانات عربية مختلفة في دعمها بالإضافة إلى أفلام الثورات العربية، المصري «18يوم» لعشرة مخرجين، والتونسي «لا خوف بعد اليوم» لمراد بن الشيخ، نلاحظ غياب مهرجان دبي السينمائي عن دعم أفلام عربية على الرغم من استباقه في تبني السينما العربية، كيف نفسر ذلك؟
الأهم بالنسبة لنا هو هذا الحضور العربي، وبدعم من مهرجانات خليجية، فمثل هذا الدعم لم يكن موجوداً قبل خمس سنوات مثلاً عندما قرّر مهرجان دبي تخصيص مسابقة المهر للأفلام العربية، ثم إطلاق «ملتقى دبي السينمائي». ما حدث هو نقلة جميلة أرسى مهرجان دبي قواعدها الأساسية من ضمن مبادراته الكثيرة والريادية، فلقد قمنا بدعم الكثير من الأفلام التي وصلت إلى مهرجانات دولية كثيرة، وصادف أن لم يكن أحدها في برنامج هذه السنة، ونتمنى أن تجد فرصتها في السنوات المقبلة، وهناك دراسة نقوم بها حالياً حول إمكانية توفير صندوق لدعم الأفلام العربية، ونحن نتأنى كثيراً في إطلاق المشاريع، محاولين اكتساب الخبرة اللازمة، والاتجاه الدقيق في توجيه المشاريع، والخبرة لا تعني أموالاً فقط؛ بل كيفية إدارة المشاريع وانتقاء السبل الأفضل لنجاحها.
يعتقد البعض أن المهرجانات أصبحت ظاهرة شرفية؛ صحيح أن بعضها يؤدي أدواراً مهمة؛ ولكن الأخرى أضحت مفرّغة من المحتوى والأهداف؟
أوافق أنها أصبحت ظاهرة؛ وبعضها يُقام لأسباب وأهداف مختلفة؛ منها ما تشعر بأن خلفها مؤسسة نظامية واضحة، ومنها ما تكون فيها السينما في الخلف؛ بينما يقفز الهدف السياحي والإعلاني إلى المقدمة؛ لذا هناك مهرجانات مثل كان، وأخرى لا تسمع عنها؛ وأخرى تختفي، وما بين ذلك وذاك الكثير، ونحن في مهرجان دبي لدينا أهدافاً واضحة، ونُحاول أن نتعلم دائماً ونستفيد من الخبرات. تركيزنا ينصب على السينما العربية بشكل عام، والكثير لم يفهمنا حينما أطلقنا مهرجان دبي، وكل مايهمنا إعطاء الفرصة للشباب العربي الموهوب لتحقيق أحلامهم، وتوفير البيئة المناسبة لهم، كما يهمنا محاولة اكتساب ثقة واحترام صناع السينما والمجتمع السينمائي الدولي، ويهمنا أيضا التحلي بالصبر لتحقيق هذه الأهداف. لا يمكننا في الوقت ذاته فصل الجانب الإبداعي عن الاقتصادي؛ هما صنوان لا يتجزءان؛ وهنا في كان تعيش المدينة فترة انتعاش اقتصادية وسياحية خلال المهرجان لا تعيشه طوال السنة حينما يزورها أكثر من مئة ألف زائر تُحدث طفرة اقتصادية مهمة.
وماذا عن مهرجان دبي السينمائي، هل يُحدث مثل هذه الطفرة الاقتصادية؟
بالتأكيد نعم، وتستدرجني لأعلن للمرّة الأولى عن دراسة انتهينا منها أخيرا حول التأثير الاقتصادي والثقافي لمهرجان دبي السينمائي على اقتصاد دبي بعد أن أجريناها في العام 2007؛ فقد قفزت الأرقام لتصل إلى مردود مباشر وصافٍ يصل إلى 188 مليون درهم قبل احتساب ما يُسمى بالمردود المضاعف الذي قد يصل بالرقم إلى أعلى من ذلك بكثير وسنعلنه قريباً بالتفاصيل.
نلاحظ حضور الكثير من المخرجين الإماراتيين الشباب للمهرجان بعد أن ندر وجودهم في السنوات العشر الماضية؟
هناك أمور كثيرة تطوّرت أخيرا ؛ منها وجود مهرجانات مثل دبي، وأبوظبي، والخليج، والدعم المتواصل الذي يلقاه هذا الجيل المبدع من المخرجين الشباب، وبدأت من بذرة اسمها «مسابقة أفلام من الإمارات» إلى أن ترعرت حالياً إلى نبتة نتمنى أن تثمر في المستقبل، ونحن نراهن كثيراً على مهرجان الخليج السينمائي في إحداث هذه النقلة التي تُعتبر ظاهرة جديدة في المنطقة.
صناعة متكاملة
يرى جمعة بعد سبع سنوات مضت على مهرجان دبي السينمائي، وأربع على مهرجان الخليج السينمائي؛ أن هناك أهدافاً لم يحققها المهرجانان للآن، ويعلق قائلا: هذه أعمار قصيرة في حياة المهرجانات؛ ونحن نعتبر أنفسنا في بداية المشوار، لايزال أمامنا الكثير، ولتحقيق صناعة متكاملة؛ نحتاج إلى وقتٍ طويل، وسنقيم هذه التجربة بشكلٍ حقيقي وواقعي بعد مرور عشر سنوات على المهرجان لنضع استراتيجية مرحلية للعشر سنوات المقبلة، وتراودنا الكثير من الأحلام: إنشاء مؤسسة سينمائية وطنية؛ مدرسة متكاملة لتعليم السينما؛ بناء مقر دائم للمهرجانات؛ هيئة سينمائية مختصة؛ صالات عرض وآلية توزيع. الطريق أمامنا طويل، ولا أعتقد أننا وصلنا إلى منتصفه لحد الآن، ولقد علمتنا دبي أن نثابر ونسعى لنصل إلى أهدافنا ثم نتجاوزها لأهداف أكبر وأعمق؛ والحلم الشامل هو أن تصبح دبي مركزاً عالمياً للصناعة السينمائية.
