ينطلق في السابعة والنصف من مساء اليوم بتوقيت باريس (الساعة التاسعة والنصف بتوقيت الإمارات) الحفل الختامي للدورة 64 لمهرجان كان السينمائي، الذي يقام في مقر المهرجان على شاطىء الريفييرا الفرنسية، بحضور حشد كبير من المخرجين والممثلين وصنّاع السينما ونجوم الإعلام والمجتمع. وبعد أن قدم المهرجان خلال أيامه الماضية، ملفات تعكس أحداث العالم وقضايا الطفولة، كمحاور أساسية في الأفلام المتنافسة، يتوقع المراقبون أن تذهب (السعفة الذهبية) وهي الجائزة الكبرى، إلى واحد من بين الأفلام التالية: (شجرة الحياة) للمخرج الأميركي تيرانس ماليك، و(حدث ذات مرة في أناتوليا) للمخرج التركي نوري بليج جيلان، و(بوليس) للمخرجة والممثلة الفرنسية مايون.

إذا كانت المهرجانات السينمائية التي تُقام سنوياً، صورة لواقع الإنتاج في تلك السنة وانعكاساً لما يحدث في العالم من قضايا وأزمات، فإن مهرجان «كان» بالتأكيد مرآة حقيقية لما يحدث على كلا الصعيدين، ويبدو هذا المهرجان العريق وكأنه «قائد الأوركسترا» الذي يُعطي ضربة الانطلاق للسيمفونية، وهكذا فعل في هذه الدورة الـ 64، فبرغم طراوة عود ثورات الربيع العربية وكون آفاق مستقبلها وثمارها التي ستُجنى في السنوات المقبلة (والله أعلم من سيجنيها!)، فقد بادر المهرجان إلى تأكيد أهمية ما حدث في تونس ومصر وبقاع العالم العربي الأخرى من خلال نافذة تحية لشعبي هذين البلدين، وبذلك حدد إيقاع علاقة المهرجانات الأخرى مع المنطقة، والتي ستسعى (وبعضها بدأ بالفعل) بالبحث عن أفلام وثائقية وروائية، ناطقة بالعربية تتناول ثورات الربيع.

العلاقة الأسرية

ملف آخر برز من الأفلام التي اختارها تييري فريمو لدورة هذا العام في برامج المهرجان المختلفة، هو ملف الطفولة، فبرغم حضور هذا المعطى في غالبية دورات المهرجان، فإن العدد الكبير الذي تناول مسألة الطفولة والعلاقة الأسرية من خلال الأواصر التي تربط الأبناء بالعائلة (وبالأب بشكل خاص)، أبرز أن ثمة حاجة كبيرة لدى المجتمع الغربي في التعامل مع هذا الملف، كونه يؤشّر للمستقبل وكونه بدأ يشغل حيّزاً كبيراً في سفر الأحداث اليومية التي تتناولها أجهزة الأعلام الغربية، وكون المجتمع الغربي والأوروبي بالتحديد، وكما تؤكد دراسات وأبحاث عديدة، آيل للشيخوخة بسبب قلة المواليد في العائلة. لكن الموضوعة الأساسية التي ركّزت عليها الأفلام التي تناولت الطفل والعائلة، هو العنف الممارس تجاه الأبناء، ولكن ليس بالضرورة العنف الجسدي أو العمد.

وحفلت أفلام المسابقة الرسمية وخارجها بالعديد من هذه الأفلام، وتقاسمت المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، الصدارة في تناول هذا الموضوع، وعمدت المخرجة البريطانية لين رامسي إلى ذلك من خلال شريطها الروائي الطويل الثالث «لا بد من الحديث عن كيفين». فـ «إيفا»، الأم الشابة التي نضع جانباً حياتها المهنية الطموحة وتخصّص كل وقتها واهتمامها لوليدها كيفين، وتتعقّد العلاقة بين الأم وال ابن منذ السنوات الأولى لعمر الطفل، وحين يبلغ كيفين الخامسة عشرة تأتي أفعاله السيئة التي لا يُمكن التغاضي أو الصفح عنها في عين المجتمع، إلاّ أن إيفا ،وبرغم العلاقة المتأزمة مع ابنها (وكما هو طبيعي أن يحدث) تقف إلى جواره محّملة ذاتها وزر ما حدث. وتتناول المخرجة والممثلة الفرنسية الشابة مايون في فيلمها «بوليس» مُعطى الطفولة من جانب آخر، وبالذات من جانب رجال (ونساء) الشرطة الذين يواجهون جرائم الاعتداءات الجنسية والاغتصاب ضد الأطفال، وهو ما تحفل به المجتمعات الغربية، وهذا الفيلم، مرشّح قوي لأحد جوائز المهرجان،

 

شجرة الحياة

وبرغم قلة أنتاجه ومرور سنوات طويلة قبل المباشرة بأي عمل، فقد سعى الأميركي تيرينس ماليك في (شجرة الحياة) إلى التعامل مع موضوع الأطفال والعنف النفسي الممارس عليهم من قبل الآباء وعجز عاطفة الأمومة ونزوعها الطبيعي إلى رفع جدار ضد ذلك العنف، فإن جاك أوبرايان، لم ينجُ من ذلك العنف الموسوم بما يُسمى «حب الأب ورغبته في بناء الأبناء صلبين وقادرين على مواجهة الحياة»، ويعرض لنا تيرينس ماليك مقدار الخراب الذي يتسبب فيه ذلك «الحب» الأناني ويقدّم لنا جاك أوبرايان في الأربعين من العمر (ويؤدّيه شون بين) وهو يتواجه مع مخلّفات ممارسة الصرامة تجاهه من قبل «السيّد الوالد»، كما كان يُصرّ الأب أن يناديه أبناؤه، دون أن يُدرك أن تلك الصرامة هي العنف الأشد الذي يمكن أن يُمارس ضد طفل ينمو.

 

صراعات قومية

غير أن العدد الكبير من الأفلام الغربية التي تناولت موضوع الطفولة والعنف الممارس ضد الأطفال، لا يعني بالضرورة أن الأمر مقتصر على المجتمع الغربي، بل هو عام وشامل، وقد برز ذلك في أكثر من فيلم قادم من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وهي القارات الحافلة بالحروب والصراعات القومية والدينية، وكما هو معلوم فإن الأطفال، والنساء والشيوخ هم الضحايا الأُوَل لتلك الحروب والصراعات، ويزداد الأمر على الأطفال والنساء أكثر من غيرهم.

ففيما النساء يبقين دون آباء وأرامل وفاقدات للأخوة، فإن الأبناء (الأطفال بالذات) يفقدون في الحروب الغطاء والسند الأكبر في حياتهم، أي الأب، وبرغم أن التركي نوري جيلان يتناول في شريطه الجديد «حدث ذات مرة في أناتوليا» حياة وأزمات مجتمع الرجال في ذلك القسم البعيد من المجتمع التركي والواقع خارج مسارات السياحة والبوست كارت الجميل لاستانبول، إى وسط الأناضول، فإن النظرة الأخيرة التي يُلقيها الشخصية الرئيسية في الفيلم «الطبيب الشرعي» خارج نافذة مكتبه في المستشفى.

هي نظرة صوب الطفل الذي انتهى الطبيب لتوّه من تشريح جثّة والده ليكشف اللثام عن أسباب وفاته. فذلك الطفل الذي يسير برفقة أمه الأرملة يمر خارج سور المدرسة الابتدائية المزدحمة بالأطفال الذين يلعبون في ساعة الاستراحة، إنه كما الطائر خارج السرب، وهو برغم طراوة عوده متّجه إلى المجهول.