جديد المخرج التركي نوري بليج جيلان في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي مع (حدث ذات مرة في أناتوليا) ساحر وأخاذ، فنحن أمام سينما خالصة تعيش في شعر الحياة بكل قسوتها وصمتها وضحكها وجرائمها أيضاً.

نوري الذي ظل محافظاً على سينماه، التي تحمل بصمة خاصة منذ فيلمه القصير الأوّل (كوزا) في العام 1995، حاصداً سعفة كان الذهبية للفيلم القصير حينها، مروراً بـ (سحب مايو) 1999، و(مسافة) 2002 الذي حصد الجائزة الكبرى، ثم (مناخات) في 2006، و(ثلاثة قردة) في العام 2008 الذي حاز على جائزة أفضل مخرج، حاول الاستمرار والتمسك بهذا التميز الصعب الذي يخفق الكثير في الحفاظ عليه.

 

مسار السرد

يُخيّل إليك أن نوري صنع إلى الآن فيلماً واحداً فقط من شدّة التقارب في مفردات الأفلام التي صنعها من حيث البناء السردي؛ الشكل أو القالب الذي يتخذه مسار السرد في الفيلم، الطقوس الملازمة، اللون، الأجواء الرعدية والمطرية، وانقلابات حالات الطقس؛ الشخصيات الهادئة في طبيعتها، المعبرّة في نظراتها الساهمة والمجهولة، المرتبكة دائماً، وتحمل في خفاياها أسراراً دفينة، التفاصيل الصغيرة التي تنشغل بها كاميراته وسط ذروة الحدث.

نوري يصنع الحياة في لحظاتها الواقعية، مع تضخيم مكثف للحالة اللحظية، يغوص في بُنيتها المركّبة، ولا يترك مجالاً للعين أن تتجاوز محيط الكادر إلا وهي مُشبعة بالتفاصيل والخلطات اللونية الثرية، ودقّة الكادرات المكشوفة على الفضاءات، أكثر من تعبئتها بالأشياء أو الأشخاص، واصطياد حركة الكاميرا التي إما تبدأ بمفاجأة، أو تنتهي بالدهشة.

 

عين الكاميرا

(حدث ذات مرة في أناتوليا) يبدأ بلقطة خارجية ليلية على زجاج باب، تقترب تدريجياً لنرى ثلاثة أشخاص يمضون سهرة في الشرب والحديث؛ بينما هناك كلب ينبح في الخارج، لتبدأ بعدها كادرات الفيلم، وبعدها، نمضي في رحلة على طريق مظلم، ونتعرف على ثلاث سيارات تتبع بعضها بعضاً، وتضم في داخلها رجال شرطة، وضابط، ومشتبه به، وشاهد، ودكتور، وهذه السيارات تقطع السهول، والجبال، والمناطق الريفية النائية في لقطات واسعة جداً لا نلمح منها سوى أضوائها التي تبعثر الضوء على المكان وفي عين الكاميرا.

نبدأ باكتشاف القصة في خيوطها العريضة جداً عندما تقطع الكاميرا إلى داخل السيارة الأولى التي تضم المفوّض (ناجي) ـ يؤدي الدور هنا الممثل والمخرج يلماز أردوغان الذي عرفناه في أفلام كوميدية؛ والمدعي العام (نصرت) ـ تانير بيرسل؛ والمشتبه به (سنان) ـ فرات تانيش؛ والسائق (عرب) ـ أحمد ممتاز تايلان، أما السيارة الثانية فتضم الدكتور جمال الذي أدى دوره بحرفية آسرة محمد أوزنير، والشاهد وأفراد الشرطة الآخرين الذين يتوزعون أيضاً في السيارة الثالثة.

 

فتح الكوادر

نعرف من سياق الحديث الدائر، أن جريمة قتل وقعت في تلك الليلة التي اجتمع فيها الثلاثة في اللقطة الأولى في الفيلم، وأن الشرطة تقود الآن المتهم والشاهد للاستدلال إلى مكان دفن الجثة، وعندما تقف السيارات أمام مشهد لشجرة يتيمة في فضاء واسع، ويترجل الجميع لمعاينة المكان، نبدأ بالتقرب من شخصيات الفيلم فرداً فرداً من خلال الأحاديث الجانبية؛ وتنفتح الشخصيات على بعضها، وعلينا. نوري يعطي مساحة المكان حقها من خلال فتح الكوادر على الجمال المكاني واللوني؛ فيما يغلقه تماماً في المشاهد الحوارية ليترك مساحة للممثل أن يبرز، وللحوار أن يُسمع، وللحالات النفسية أن تتفتح؛ وللعيون أن تتكلّم.

ما يحدث أن المتهم لا يتعرّف على مكان دفن الجثة في المرّة الأولى، لنتابع بعدها سلسلة من الإخفاقات عند كل مرة تقف فيها السيارات في منطقة، يُعتقد أنها المكان الصحيح؛ وبما أن الحدث يدور في الليل في منطقة تبعد كثيراً عن أضواء المدينة والأعمدة الكهربائية؛ يلجأ نوري إلى أضواء السيارات نفسها لغسل المكان ببقع صفراء، وظلال طويلة للأشخاص، ولون حارق للعشب الأصفر في الأصل، مستخدماً إياها بذكاء إضاءة للمشهد نفسه.

 

حكاية صديق

في إحدى المرات، وأثناء حوار بين الدكتور والمدعي العام، يسرد الأخير حكاية صديق له تنبأت زوجته بيوم معين لوفاتها بعد الولادة، وماتت بالفعل باليوم المحدّد؛ يسأل الدكتور إن تم تشريح جثتها؛ فيرد المدعي العام بالنفي لأنها ماتت بسبب سكتة قلبية، ويتساءل الدكتور إن كانت قد تناولت سمّاً أرداها قتيلة، أو منتحرة. هذا الحوار لن ينتهي هنا؛ بل سيتكرّر ويُستكمل طوال الفيلم لنخمن أن المدعي العام يتحدّث عن زوجته، ونكتشف أنه خانها مع امرأة أخرى، وبالمقابل نعرف أن الدكتور طلق زوجته الجميلة من سنتين، وأنه لا يرغب في الزواج مرة أخرى. عندما تقف السيارات ليستريح الفريق قليلاً في منزل العمدة ولتناول العشاء أيضاً، تنطفئ الكهرباء فجأة؛ فينادي العمدة ابنته (جميلة) لتحضر فوانيس الإضاءة.

دخول الفتاة الفاتنة حقاً؛ من خلف الجدار يضيء المكان قبل وصولها؛ وللمرة الأولى في الفيلم تظهر أنثى في دخول مبجّل وناعم جداً؛ وكأن الضوء الفخم هذا يشع من وجهها أكثر من الفانوس، وتقدّم (جميلة) الشاي إلى الضيوف؛ عندما تلتقى نظرات الرجال في وجه جميلة يصابون بالذهول لهذا الجمال الساحر؛ يعيد نوري هذا مع أربع أشخاص تقريباً؛ وفي كل مرّة تكون ردّة الفعل مغايرة ومربكة.

 

أشعة النهار

ساعة وعشرون دقيقة مضت من أصل (137) هي مدّة الفيلم، والأحداث تدور ليلاً فقط، ومع أوّل أشعة النهار، تقف السيارات في المكان الصحيح، ويستدل المشتبه به إلى مكان دفن الجثة؛ الذي يرقد فوقه الكلب الذي سمعنا نباحه ورأيناه في المشهد الأول من الفيلم، وعندما يتم استخرج الجثة، نلاحظ بكاء الشاهد الذي يفصح عن جملة عابرة، ولكن مهمة، تبين أنه القاتل؛ لينهره المشتبه به. يتم أخذ الجثة إلى المشرحة؛ ومن هنا ندخل إلى حياة الدكتور، ويغيب باقي الشخصيات تماماً من الفيلم بعد حين.

ندخل إلى بيته، وإلى طفولته ونشاهد زوجته التي طلقها من خلال الصور الفوتوغرافية التي تُستعرض متتالية تملأ الشاشة، ثم إلى مكتبه؛ وانتهاء بغرفة التشريح التي يدور فيها حوارات كثيرة بينما الأعضاء تتقطع تباعاً، ولكن لا نشاهدها؛ ويستنتج المشرّح بأن المقتول دُفن حيّاً لأن بقايا تراب تملأ رئتيه، وهذا راجع لاستنشاقها، وينفي الدكتور هذه الاحتمالية، ويقف أمام النافذة التي تطل على صبية يلعبون كرة القدم، ليثبت الكادر وتسترسل عناوين النهاية.