لو افترضنا، من باب إيجاد التنافس لتمتلك المسابقة تبريرها، ولو افترضنا، جدلاً، بأن المخرج الأميركي تيرينس ماليك (1943 ) قابل للخسارة في مسابقة سينمائية مع معاصريه، فإن الإقصاء القسري أمر وارد للدانماركي لارس فون تريير، من إمكانية الحصول على إحدى جوائز الدورة الحالية من المهرجان، وذلك لاعتباره من قبل «مجلس مدراء المهرجان» «شخصاً غيرُ مرغوب فيه» بسبب مزحة بليدة حول النازية واليهود نطق بها خلال مؤتمره الصحافي قبل يومين، أزال بها أية إمكانية لتواجد هذه المنافسة، ويبدو أن تيرينس ماليك سيصعد على خشبة مسرح لوميير مساء غد لاستلام السعفة الذهبية من بين يدي مواطنه روبيرت دي نيرو.

تيرينس ماليك، المخرج الأكثر إقلالاً في العالم، بعد الإيطالي الكبير الراحل جيلّو بونتيكورفو، هو المخرج الذي يتنافس كبار النجوم الهوليووديين للعمل معه حتى بأجور رمزية، بالضبط مثلما كان الحال مع مواطنه الراحل الكبير ستانلي كوبريك، فالعمل مع مخرجين من هذا العيار، يعني الدخول إلى تاريخ السينما الأبدي، وهذا ما فعله النجمان الكبيران براد بيت وشون بين، الذي سبق وأن عمل مع تيرينس ماليك في فيلمه الثالث «الخيط الأحمر الرفيع».

فخر الاستضافة

خمسة أفلام فقط في ما يربو على أربعين عاماً من العمل ابتدأها بالـ «الرقصة الوحشية» عام 1973، وتبع ذلك بفيلم «سنوات الفردوس» في عام 1978، و«الخيط الأحمر الرفيع» في عام 1998، لينتظر سبع سنوات قبل إنجاز شريطه الرابع «العالم الجديد» في عام 2005 ، وها هو يعود في هذا العام، بعد ست سنوات، ليقدّم فيلم «شجرة الحياة» الذي لم يُخيّب الترقّب والانتظار، ومن حق مهرجان «كان» أن يفخر في أنه نال شرف استضافة عمل تيرينس ماليك الأخير، وربما ستؤرّخ الدورة الحالية بأسرها باسم دورة «شجرة الحياة» وتيرينس ماليك.

الأب «سيّدي»

تدور أحداث فيلم «شجرة الحياة» في الميدويست الأميركي وتروي يوميات الصبي جاك أوبراين وهو في الحادية عشر وحياته وهو في الأربعين، وتأثيرات الأسرة الخاصة، و«المريضة» التي كان والده يرتبط به من خلالها، ويؤدي دور الوالد براد بيت، ويُجبر أولاده الثلاثة على مناداته بلقب «سيّدي الوالد» ومناداة والدتهم (أدتها جيسّيكا تشاستين) بلقب «السيدة الوالدة»، ويركّز «السيّد الوالد» ضغوطه الأكثر على جاك، فيما «السيدة الوالدة»، شديدة الاختلاف عنه وتحاول، كما هي الحال لدى كل الأمهات، أن توصل إلى أبنائها مقداراً هائلاً من الحب، من خلال التعامل معهم باعتبارهم كائنات صغيرة هي أحوج ما تكون إلى الحب، وليسوا «عيّنات» لتثبيت هذا المنطق، أو تلك الأيديولوجية أو ذلك المعتقد.

قسوة الصرامة

قد يبدو إصرار بعض الآباء على استخدام الصرامة أسلوباً وحيداً مع الأبناء، لاعتبارهم إيّاها أنها «تجعل منهم رجالاً»، أمراً مقبولاً وقد تُفسّر تلك الصرامة على أنها «نتاج طبيعي لحب أولئك الآباء المفرط لأولادهم ورغبتهم في أن يتصلّبوا لمواجهة آلام ومصاعب الحياة»، لكن هؤلاء ومعهم مبرّرو ذلك السلوك، يتناسون (وربما ليس عمداً) ويجهلون مقدار الدمار الذي يوّلدونه داخل أولئك الأبناء ويحدّدون مسار حياتهم بأسرها. لذا نجد جاك أوبراين، وهو في الأربعين (ويؤدّيه براد بيت)، ضائعاً يبحث عن روحه التي غيّبتها سنوات سلوكيات الأب وصرامته، ويحاول جاك الكهل، اكتشاف متغيّرات الأشياء، وعندما يُدرك ما هو ضروري عليه أن يفعل فإن كل ما يقع تحت ناظريه يبدو له بمثابة مُعجزة تتحقّق. وبإمكان جاك، بوعيه الجديد، أن يُسامح والده ويغفر له ما اقترفه إزاءه من أخطاء، تقترب إلى الخطايا، وإذّاك فقط يبدو جاك قادراً على مواجهة الحياة من جديد، وإدراك كنه الأشياء والبدء بتحقيق أمور عديدة. إنه بتحصيل الحاصل يكتشف جمال الحياة في الأربعين من العمر، ويمنح صفة الحبور لكل ما يُصادفه.