قد يبدو من الغرابة أن نُشاهد فيلماً ثالثاً في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في أربعة أيام يتناول موضوعه الطفل، وتعرضه للتحرش الجنسي أو للاضطهاد من قبل الأهل، وبالأخص الوالدين؛ فبعد أن شاهدنا فيلم «بوليس» للمخرجة مايوين الذي تناول مكتب لحماية الأطفال في الشرطة، يُحقق فيه مجموعة من أفراد الشرطة المدنية في الاعتداءات التي تتم على الأطفال؛ سواء أكانت بالضرب، أو التحرش الجنسي؛ أتى فيلم الأخوين دراردين جان بيير ولوك ليتناول حكاية «صبي على الدراجة» بذات القص الواقعي والإنساني الذين درجا تقديمه؛ حول سيريل الفتى ذي الثانية عشرة الذي رفضه والده تماماً تاركاً إياه في دار لرعاية الأطفال فيما ظل هو متشبثاً بالعثور عليه؛ وبالصدفة يلتقي بـسامانثا التي تُدير صالوناً لتصفيف الشعر، وتنشأ علاقة بينهما في محاولة منها لتهدئة الصبي ومساعدته في العثور على والده.
استباحة الطفولة
وفي فيلم «مايكل» النمساوي للمخرج ماركوس شيلنزر؛ تتخذ هذه الثيمة شكلاً أكثر قساوة وبؤساً واستباحة للطفولة عندما يقوم «مايكل» بخطف الطفل وولفغانغ وحبسه في مخزن المنزل مؤمناً له كل وسائل العيش ما عدا حريته، وبالتأكيد استغلاله الجنسي له.
«مايكل» الذي يبدو شخصاً طبيعياً خارج المنزل؛ يعيش عقدا حياتية لا يلتفت الفيلم إلى أسبابها؛ بل يضعنا في قلب الحدث تماماً، وهو مهيأ وجاهز لهذه العملية، ويبدو أنه قد خطط مسبقاً لها، ورتب المنزل بشكل ينفذ فيه مآربه بسهولة وبدمٍ بارد، وقسمات لا تشي بشيء إلا إلى شخص ربما يكون أنيقاً في الحياة؛ وكريهاً داخل المنزل؛ يقوم باستدراج الأطفال إلى قبوه ظناً أنه يوفر لهم فرصة المعيشة؛ وذلك عندما يغرقهم بهداياه الساذجة، ويحتفل معهم بأعياد الميلاد، وكأن ذلك الفعل هو ما يُسعد ضحاياه.
ممارسات سيكوباتية
عندما يذهب مايكل إلى عمله يغلق الباب على الطفل؛ يقفله بشكل محكم يستحيل خرقه؛ يطفئ الكهرباء وقتما يشاء عنه، ويفصله عن المنزل أولاً؛ ثم الحياة ثانياً. هو أيضاً يُفصل نفسه بالتالي عن الآخرين؛ لا يقبل زيارة من أحد إلى منزله، على الرغم من تغليف الباب المؤدي إلى قبو المنزل بعازلٍ للصوت، يُقابل أخته بالساحات والحدائق ويخرج مع أصدقائه إلى التزلج والحانات؛ ويمارس يومه بشكلٍ أناني فج.
ذات يوم، يتعرّض لحادث دهس ويُنقل إلى المستشفى، يضطر إلى المبيت هناك، وتُجبر ساقه، وللحظات كثيرة، لم تبدُ على قسماته ندم أو آثار قلق على مصير الطفل «وولفغانغ"، بل في مشهد سابق عابر وجدناه وسط غابة نائية يحفر شيئاً أشبه إلى القبر، الذي ربما يستخدمه لاحقاً إن مات الطفل، وهذه الحرفية في تجهيز مستلزماته تشي بشخصية مرّتبة ولكنها في ذات الوقت سيكوباتية.
نهاية صادمة
وفي المقابل؛ تأتي كل محاولات الطفل وولفغانع في رفض شكل المصير الذي يُحدده مايكل هادرة وفاشلة، طالما أنه يتعامل مع مجرم محترف يقضي يومه بين بعض اللعب والطبخ والغسل، وشيء من الطفولة؛ والكثير من الأسى والألم والظلمة.
وعندما يثور الطفل وولفغانغ؛ يلجأ إلى حيلة، ربما تكون الأخيرة ولكنها القاصمة، حيث يقوم باستخدام ذات الأدوات التي اعتقد «مايكل» أنها لراحة الضحية عندما يغلي الماء مترقباً زيارة «مايكل» إليه في القبو، وعندما يفتح الأخير باب الزنزانة أي الحجرة التي يحجز فيها ضحيته؛ يفاجئه وولفغانغ بالماء الذي يغلي في داخله أولاً ليحرق وجهه وأطرافه ثانياً، لتكون النهاية صادمة وحاملة الكثير من الدلالات أبسطها أن العنف لا يولد إلا عنفا مثله مهما كانت المبررات.
