وحدهما هما، الأخوان داردان، قادران على تحويل قصة حياتية ويومية إلى حدث درامي عالٍ يمتلك طاقة الدرس دون أي ادّعاء تعليمي، تربوي أو أخلاقي، فكما في أفلامهما السابقة منذ «روزيتّا» الذي فازا من خلاله بسعفة كان الذهبية في عام 1999، مروراً بـ «الطفل» الذي نالا به السعفة الثانية في عام 2005 و«حكاية لورنا» قبل ثلاث سنوات، يواصلان التقاط الأحداث اليومية التي تقع في ضواحي المدن وسبر الأغوار الشخصية والنفسية الإنسانيتين من خلاله، دون الوقوع حبيسين في القراءة الأيديولوجية أو الإعلامية السطحية لمشاكل وأحداث الضواحي أو التضّاد الطبيعي بين سكان «أصليين» وقادمين «غرباء» من أماكن بعيدة، وهي ما تحفل به صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون في العقدين الأخيرين.
لم ينحدر، ولم يحاول الأخوان داردان، التسلّق على كتف هذه المشاكل، ولم يبحثا أبداً تقديم دراسات سيكولوجية وسوسيولوجية، أو كتابة نصائح لكيفية التعامل مع المتغيّرات التي تشهدها مدن الشمال بسبب ازدياد أعداد القادمين من مدن وقرى الجنوب، ولم يسعيا أبداً للإعلان عن موقف أيديولوجي من الظاهرة، لكن أية دراسة من أي نوع لن تستغني عن أفلامهما لعلاج الظاهرة أو ظواهر اجتماعية أخرى، وللتأكيد على رغبتهما في رواية حدث يومي وقصة إنسان واحد، (وتلك هي مهمة الفيلم السينمائي، أي رواية قصة إنسان واحد)، فقد عمد الأخوان داردان، إلى تغيير الوظيفة التي تعمل فيها «سامانتا» ـ وتؤديها بشكل جميل وشاعري النجمة البلجيكية الأصل سيسيل دي فرانس ـ في فيلمها الأخير «صبي على الدراجّة» من طبيبة إلى مُصفّفة شعر تعمل في صالونها في أحد الأحياء الشعبية من المدينة، لتبدو أكثر انسجاما مع واقع الفيلم.
صمت الغابة
يقول مثل مشهور «إن شجرة تهوي على الأرض تُحدث صخباً أكبر من غابة كبيرة تنمو»، وما أراد الأخوان داردان الحديث عنه بهذا الفيلم هو الصمت الذي تنمو فيه الغابة، أي الجانب الإيجابي من الحياة، ومن النفسية البشرية، ولم يُشدّدا كثيراً على الجانب السلبي ولم يحدداه في طابع تحيّزي، بل عرضاه فحسب، وهذا ما أعطى العمل دفقاً كبيراً.
يروي الفيلم أياماً من حياة صعبة الصبي ذي السنين الإثني عشر «سيريل» ـ وأداه ببراعة فائقة وقدرة احتمال جسدية كبيرة الطفل توماس دورييه ــ والذي تركه والده في منزل للأطفال دون آباء. إنه منزل استضافة وليس ملجأ أيتام، وهذا أيضاً جانب آخر من جوانب حرص الأخوان داردان على الابتعاد عن الكليشيهات.
حلم سيريل
لسيريل حلم واحد، هو العثور على والده الذي اختفى فجأة دون أن يترك أي أثر له، وبعد سعي وعراك ومحاولات للهرب من البيت الجماعي، يتمكّن من إقناع سيدة في منتصف العمر، هي سامانتا، أن تستضيفه لديها في عطل نهاية الأسبوع، وتوافق سامانتا على ذلك وتقبل به إدارة البيت، علّ سيريل يعثر على الدفء العائلي، لكن ذلك لم يكن إلاّ وسيلة من الصبي، الذي يقضي طيلة وقته على متن دراجة هوائية، لامتلاك وقت إضافي للبحث عن والده، ويُقنع سامانتا بمساعدته في سعيه بالبحث، وهي تقبل عن طيب خاطر ورغبة كبيرة لمساعدته، وحين يتمكّنان من العثور على الأب الذي يعمل في مطعم للأكلات المكسيكية، يجدان نفسيهما أمام مفاجأة مثيرة للقلق، وتزداد أزمة الصبي وتتلوّن حياته بقتامه أكبر وتنتقل علاقته مع سامانتا من الجفاء إلى المناكفة والإصرار على معاندتها.
نهاية سعيدة
ينتهي به الأمر بالوقوع ضحية في براثن شاب ذي سوابق إجرامية ويتورّط في إحدى خططه ويصل تلقائيا إلى الجلوس أمام قاض لاعتدائه على مواطنَين، إلاّ أن وقوف سامانتا إلى جانبه وتحمّلها الأعباء المالية والقانونية لفعلته تُغيّر من منحى العلاقة، فيقّرر سيريل الإفصاح عن مشاعره للسيدة التي احتضنته ويبدآن مرحلة جديدة، وإن كانت تبدو النهاية سعيدة مثل روايات الأطفال، لكن الأخوين داردان، الإيجابيين على الدوام رُغم كل شيء، لا يُغلقان الفيلم بهذه النهاية السطحية، بل يُرفقانها بما يؤكد، أن البشر، مهما أخطأوا ومهما كانت ظروف حياتهم قاسية، قابلون للإصلاح وقادرون على العيش بشكل طبيعي وسليم.
نموذج إيجابي
وبرغم حساسية الوضع الأوروبي، وسهولة الانسياق وراء استخدامات النماذج الجاهزة، عمد الأخوان داردان إلى الابتعاد عن إعطاء الشخصيات السلبية أسماء ذات ملامح أو سحنات مُحدّدة لموقع جغرافي معيّن، والشخصية الوحيدة ذات الملامح العربية في الفيلم، حملت اسماً هو الصبي «مراد» الذي يحاول بناء صداقة مع سيريل، ويرفضه الأخير بعناد، وكانت شخصية «مراد» هي الشخصية الإيجابية الوحيدة دون لبس وبوضوح مُطلق ودون إثارة أية أسئلة، وربما استخدم الأخوان داردان هذه الشخصية وهذا الاسم باعتبارهما «مراداً» للمجتمع الغربي الآيل للشيخوخة والذي اكتشف مؤخراً بأن الأجانب، وبالذات أبناء الجنوب، هم الخلاص من تلك الشيخوخة ووسيلة لتجديد الدماء في عروق المجتمعات الأوروبية.
