المخرج الإيطالي ناني موريتي الذي يجيد ببراعة التقاط كوميديا الحياة؛ يطل عبر فيلمه الجديد (أبيموس بابام ـ لدينا حَبر) في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، وتعد تلك هي المشاركة الرابعة عشرة له، حيث حصد من قبل السعفة الذهبية عن فيلم (غرفة الابن) في العام 2001.
وفي الفيلم الجديد (حَبر الفاتيكان)الذي أثار لغطاً في إيطاليا، حيث يدور في فترة ما بعد وفاة بابا الفاتيكان ومرحلة اختيار حَبر جديد، تبدأ اللقطات على الجموع الغفيرة التي تترقب عملية الاختيار هذه وسط طقوس وأناشيد دينية؛ لقطات كبيرة ومقربّة لعملية التصويت على الحبر الجديد مع اجتماع ضخم ككبار رجال الدين الكاثوليك في العالم، تفاصيل دقيقة للوجوه والأيدي؛ الكل يُدلي بصوته، ورهبة عميقة تسكن المكان والجمهور في الخارج يترقب الدخان الأبيض دليل وقوع الاختيار، أما الدخان الأسود الذي يخرج من فوهة المدخنة فهو دليل فشل، وتتعالى أصوات الأحبار فجأة دعاءً ألا يتم التصويت لصالحهم؛ حيث إنها مسؤولية عظيمة لا يتحملها أي منهم، وتبدو الأسماء المرشحة متوازنة في عدد الأصوات وهو دليل على عدم الاتفاق.
يستمر الدخان الأسود، إلى أن تبدأ الأصوات تتزايد لصالح (فيرنيل)، ويؤدي دوره ببراعة وإقناع شديدين الممثل الثمانيني ميشيل بيكولي؛ ليتصاعد الدخان الأبيض وتعلو الأصوات (لدينا حَبر).
مأزق الاختيار
يجد الحبر الجديد نفسه أمام مأزق اختياره رغم ابتسامته، التي لا تشي إلا بفرح وخوف في الوقت ذاته، وعليه أن يخطب الآن في الجموع من شرفة الفاتيكان، غير أنه يُصاب بذعرٍ شديد، ويُطلق صرخة رفض عنيفة هارباً من هذه المسؤولية الكبيرة التي لا يجد نفسه أهلاً لها؛ فعليه التوفيق ما بين الروحاني والعقلاني.
إلى هذه اللحظة، يبدو الفيلم أنه يأخذ منحىً درامياً صارماً، ولكن عندما يجتمع الأحبار للبحث في هذه الورطة؛ يتم الاتفاق على استدعاء محلل نفسي ليبحث في حالة الحبر الجديد؛ ليأخذ بعدها الفيلم صفة الكوميديا بمجرّد وصول المحلل الذي يقوم بدوره ناني موريتي نفسه؛ والذي يغفل كل طقوس وقوانين حياة الأحبار، ضارباً الأعراف عرض الحائط، ولا يبدو بأنه الشخص المناسب لدراسة حالة الحبر؛ لذا وجب إخراج الأخير إلى معالج آخر.
هواجس وهموم
في هذا الخروج؛ يغافل الحبر مرافقيه هارباً إلى المجهول: مدينة واسعة ومكتظّة بالناس؛ وجوه كثيرة في الحافلات؛ لكل واقعه وهواجسه وهمومه؛ أضواء ليلية بعيدة وقريبة؛ أرواح تائهة، وفرصة الحبر كبيرة لمراجعة شكوكه وماضيه وطفولته وربما اتخاذ قراره أيضاً، وهي رحلة في الذات بالدرجة الأولى، تركن إلى السكون؛ والتأمل، وتصفية الحسابات؛ وإن تبدو الأحداث التي يمر خلالها الحبر في تجواله هذا عشوائية وغير محسوبة، تظل عينا الحبر حزينة ومن خلالها نتأكد شيئاً فشيئاً أن حساباته سلبية، فهو يعلم في داخله أنه حبر صدفة، وأن مشواره الحياتي روحاني بالدرجة الأولى، وأنه شخص كئيب.
أوجه تشابه
يقدم موريتي فيلماً يحترم فيه قدسية المكان والشخوص؛ وإن قدّم بعض اللمحات الكوميدية، حينما شكّل فريقين من الأحبار يلعبون كرة الطائرة، حيث يتشابه الفيلم في مناحٍ كثيرة مع فيلم (خطاب الملك) الحائز الأوسكار قبل فترة وجيزة؛ سواء في عجز الحبر عن إلقاء خطبته أمام الجماهير؛ أو في الكشف السري لدى محلل نفسي؛ ولكن بالتأكيد يختلف البناء جذرياً هنا لدى موريتي؛ وكأننا أمام كوميديا حزينة لا تنتهي بسعادة متوقعة، ولكن يمكن اعتبار (خطاب الحبر) أتى ناجحاً في تنحيه عن المنصب، وعن خوفه الكبير.
