يواجه الجمهور والصحافيون والنقاد صعوبة الحصول على مقعد في العرض الأول لشريط المخرجة اللبنانية نادين لبكي «وهلأ لوين» أي (الآن إلى أين) الذي سيعرض في صالة ديبوزي الواسعة، والتي تُحتشد يومياً بالطابور الطويل والعدد الكبير للنقاد المعتمدين في المهرجان. وتأتي الصعوبة من كون أكثر من مائة شركة إنتاج حجزت مقاعد لخبرائها ومقتني الأفلام الذين يعملون لديها لمشاهدة الفيلم الذي توزّعه عالمياً شركة «باتييه» الفرنسية. خبر مثير للاهتمام دون شك وسبب للحبور أن تكون مخرجة عربية قادرة على حشد هذا الاهتمام الكبير صوب شريطها الثاني الذي يُعرض في مهرجان كان، بعد أن عرضت شريطها السابق «سكر بنات» ضمن برنامج «نصف شهر المخرجين» في دورة العام 2007 وحققت به حضوراً عربياً وعالمياً مهماً. وإلى جانب نادين لبكي والمغربية ليلى كيلاني، تحفل الدورة الحالية من المهرجان بعدد كبير من المخرجات اللاتي حملن إلى الشاشات عدداً كبيراً من القضايا المجتمعية الشائكة، والتي، بالإضافة إلى ما ستثيره من نقاش حول المضامين، تُبرز عدداً لا بأس به من الطاقات التمثيلية الشابة، كما هو الحال لشريط الأسترالية جوليا لي الروائي الطويل الأول «الجمال النائم» الذي برعت في بطولته الممثلة الشابة إيميلي براوننيغ، والتي أظهرت، بالإضافة إلى أداء رائع، قدرة جسدية هائلة لاحتمال الجهد والآلام خلال تنفيذ المشاهد.

جهد تمثيلي

يروي الفيلم قصة طالبة جامعية شابة تحاول العيش بشكل آمن، من خلال العمل في أكثر من مكان، وتتميّز غالبية الأعمال التي تقوم بها بضرورة بذل جهد عضلي كبير وساعات عمل طويلة، وهنا تولّد جوليا لي المفارقة، إذ لا يُكلّف الجهد العضلي للوسي إنهاكاً وتعباً كبيرين، ولكونها شابة في مقتبل العمر لا تدّخر على نفسها ساعات طويلة من النهار ما بين الجامعة والعمل نادلة في بار، وتُخصّص ساعات من الليل (وربما الليل بأكمله) في السهر والحياة. لكن المفارقة تنشأ عندما يتقاطع طريق لوسي مع جمعية غامضة، تعرض عليها عملاً «مريحاً» لقاء أجر عالٍ، بما يعادل ٢٥٠ دولاراً للساعة الواحدة:

العمل، أولاً، كنادلة خاصة في حفل عشاء لمجموعة من المسنّين الأثرياء. وأول ما يتبادر إلى الذهن أن ذلك الحفل سيكون ماجناً، إلاّ أن لا شيء من كل هذا يحدث. وتتيح براعة لوسي وجمالها لها بالانتقال إلى المرحلة التالية من العمل، أي أن تنام عارية في السرير، وتُتْحف أولئك المسنين بجمالها (النائم) مع تعهّد من الجمعية ذاتها بأنها (لن تتعرّض إلى أي اعتداء جنسي).

تُخدّر لوسي، بمادة تنويم (صينية الأصل) وتنوّم في السرير الأنيق ويزورها كل ليلة أحد أولئك المسنّين. وهنا نكتشف الأمراض التي يعاني منها هؤلاء وكيف يتعاملون مع هذا الجسد الناحل والجميل العاري النائم دون أية ردة فعل أو مقاومة. وبرغم أنْ لا أحد منهم يعتدي على لوسي جنسياً، فإن كلاً منهم يترك في صميمها شرخاً عميقاً يتراكم ليبلغ هوة سحيقة. وبرغم أن لوسي لا تتذكّر آي شيء مما يحدث لها خلال النوم ولا تشعر بأية نتائج واضحة على جسدها، فإن شيئاً ما بدأ يتهشم في داخلها، ويتحوّل ذلك النوم الهادئ إلى كابوس كبير يُفقدها أمانها الاعتيادي. إن لديها الآن فضول كبير وحاجة عميقة لمعرفة ما يحدث لها خلال ساعات النوم، وحين تعجز في إقناع المسؤولة عن تنظيم تلك الأمسيات بأن تتركها دون مخدّر ولو لمرة واحدة، تقتني كاميرا صغيرة وتضعها في مقابل السرير الذي تُنوّم فيه عادة، لكن ما تكتشفه ساعة اليقظة الطبيعية مهول يدخلها في حالة من الهيستيريا المُفضية إلى الجنون لا محالة. وبقدر ما كانت صرخات الضياع التي أطلقتها لوسي عالية ومهتاجة، كان الصمت داخل صالة ديبوزي مُطبقاً ولم تخرج من أي من الصحافيين والنقاد الذين تجاوز عددهم الألفين، أية ملحوظة اتفاق أو اعتراض. خرج الجميع وكأنهم سائرون في جنازة. وربما كان هذا هو ما تسعى المخرجة إلى تحقيقه، أي أن تجعلنا نسير في «جنازة الروح».

قدرات إخراجية عالية

أبرزت المخرجة الأسترالية قدرة عالية على إدارة الكاميرا والممثل، كما أنها دفعت إلى المسرح الكبير طاقة تمثيلية شابة ومهمة، مثل إيميلي براونينغ التي لا يُستبعد أن تكون إحدى أقوى المنافسات على جائزة أفضل ممثلة في الدورة الـ 64 لمهرجان كان السينمائي الدولي.

والناظر إلى البرنامج الرسمي للمهرجان، يكتشف أن غالبية المخرجات عالجن موضوعات مجتمعية عسيرة وقاسية، ويُعطي جانب «الأم»، الذي فيهن، إلى تلك المعالجات قيمة مضافة. وتلك هي حالة البريطانية لين رامسي في شريطها «دعونا نتحدث عن كيفن» الذي تؤدي بطولته النجمة البريطانية الكبيرة تيلدا سوينتن، والمخرجة الفرنسية مايوين التي حملت إلي المهرجان شريطها الجديد «بوليس»، والنجمة والمخرجة الأميركية جودي فوستر «القندس» الذي تؤدي بطولته إلى جانب صديقها وزميلها العسير الطباع ميل جيبسون، والمخرجة اليابانية المتميّزة ناومي كاواساكي التي تعود إلى المهرجان بشريطها «هاينزون، تسوكي»، بعد أن كانت عرضت في دورة العام ٢٠٠٧ شريطها الجميل «غابة الحداد».