إن كانت دراما الحياة، ومنغصاتها، وفعلها الدامي اليومي هي دراما السينما؛ فإن ما تفعله مايوين مخرجة الفيلم الفرنسي (بوليس) الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، هو فك شفرات الدراما هذه إلى مكوّنات ليست بالضرورة في حالاتها الدرامية القصوى. أن تجمع بين تراجيديا الحياة وكوميديتها السوداء في مواقف كثيرة تمر خلال الفيلم هو في ذاته تركيب مزدوج للحالة الشعورية، التي لا تنتابك أنت المُشاهد فقط؛ ولكن تدخل في صلب شخصيات الفيلم الكثيرة التي ـ بشكل أو بآخر ـ تعيش حياتها القلقة، والنازفة، والمتقاطعة مع الآخر، ولكنها في الوقت ذاته مرحة، وصاخبة، ومحبة للحياة.

 

حنكة الفيلم

يدور الفيلم حول مكتب لحماية الأطفال في الشرطة، وهو مقتبس عن قصص ووقائع حقيقية، يحقق فيه مجموعة من أفراد الشرطة المدنية في الاعتداءات التي تتم على الأطفال؛ سواء أكانت ضرب، أو تحرش جنسي، أو نشل أو هجر، أو فرار وفقدان. في الوقت الذي تتم مداهمة بيوت، أو فتح ملفات مع الآباء، أو تحقيقات مكثفة في المكتب، وتنخرط في عوالم الأطفال البائسة، وما يتعرضون له من إهانة نفسية وجسدية، وفي الوقت الذي يُعاني فيه أفراد الشرطة من التعب السيكولوجي لشدّة ما يواجهونه من قضايا خارقة للذات الإنسانية؛ نجد أنهم ينزلقون أيضاً في عذاباتهم الحياتية والأسرية، وتؤثر حالات الأطفال هذه في تغييب الجانب العاطفي تجاه زوجاتهم، وأطفالهم، وأرواحهم الشفافة.

هم من الحساسية والرهافة بحيث تأخذهم طبيعة عملهم في دوامة الدفاع عن حقوق الآخر؛ الذي هو بالأساس بحاجة إلى عناية خاصة؛ تأخذهم إلى الانجراف التام لماهية فقدان المتعة الحياتية لأجل مستقبل الآخر الذي لا تربطك صلة قرابة أساسية به، سوى الصلة الإنسانية؛ في حين أن القريب والأثير يخسر هذا الود. غير أن ما يجمع هذا الفريق هو الروح المتعطشة للحياة؛ وما يفرقهم هو وجهات النظر تجاه ما هو إنساني خالص، وما هو إنساني ولكن غير خالص. هذه العذابات تسبّب الأذى لهذه المجموعة المتجانسة في ظاهرها. هم أيضاً أناس لهم خطاياهم، وإن كانوا يؤدون أدواراً «شُرطية» في المحافظة على أمن المجتمع. هم يستخدمون أشكالاً متباينة من القسوة: تجاه الضحايا الصغار عندما يستجوبونهم لاستنطاق الحقيقة؛ وضد الجناة عندما يرغمونهم على الاعتراف. وضد أسرهم عندما يتوهون كلية في مآزق الآخرين؛ وضد بعضهم بعضاً عندما يعرّون علاقاتهم الشخصية فيما بينهم. لكنهم يظلون أؤلئك الحرّاس على أوجاع المجتمع؛ وعلى الحقيقة.

لمسات إنسانية

مايوين تقترب إلى شخصيات الفيلم بحذر؛ الضحايا من الأطفال تتناولهم بلغة أقرب إلى التحقيق الوثائقي مع لمسات درامية عاطفية؛ بينما تتمازج حركة الكاميرا المحمولة في أغلبها؛ مع اللقطات المقربة، والحوارات المطولة في مشاهد الفريق الشرطي التي لا تخلو من الكوميديا، والضحك وبالتأكيد ضد ألم الحياة. أحياناً لا تشعر أن الكاميرا موجودة أصلاً؛ لذا تعتقد لوهلة أن الأطفال هم الضحايا الحقيقيون، وأن الفريق من أفراد الشرطة الأصليين، وليسوا الممثلين. هذا الإقناع يدفع الفيلم لأن يقترب بقوة إلى الشخصيات التي لا تعتمد على بطل واحد، بل على مجموعة من الأبطال الذين يتجانسون معاً في الأداء حتى في لحظات خلافاتهم الشديدة كما في المشهد ما قبل الختامي عندما تتعارك فيه شرطيتان، ويتوتر فيه الجو لدرجة الغليان. طاقم التمثيل يضم: كارين فيارد؛ جوي ستار؛ مايوين؛ إيمانويل بيركو؛ نادرة عيادي.