كان الترقّب الأساسي، قبل انطلاق مهرجان «كان» أول من أمس وقبل عرض فيلم الافتتاح، منصبّاً حولها، وكان الكثيرون يتساءلون ما إذا كانت سيدة فرنسا الأولى كارلا بروني ساركوزي ستحضر العرض الأول لفيلم (منتصف الليل في باريس) لوودي آلين أم لا، خصوصا وأن اللغط حول أدائها ومشاركتها في الفيلم كان مادة لسيل من الأخبار التي ازدحمت بها الصحف الفرنسية والأوروبية بشكل عام، بالتزامن مع الأنباء التي تحدّثت عن كونها حاملاً وبانتظار وليد من زوجها رئيس الجمهورية نيكولا ساركوزي.
\وكان الترقّب ناتجاً عن أسباب عديدة، من بينها الفضول أو النميمة أو لاكتشاف ما إذا كانت ملكة التمثيل أيضاً من بين مواهب السيدة الأولى، وقد أظهر المونتاج الأخير الذي عرض به وودي آلن الفيلم وقطع العديد من المشاهد التي قيل أنه صوّرها مع كارلا، هدأ الأوضاع وجعل الاهتمام يتركّز على الفيلم نفسه وبمجمله، إذ لم يُتح المشهدان اليتيمان اللذان تظهر فيهما السيدة الأولى بدور دليلة سياحية، أية إمكانية لإقرار ما إذا كانت تُجيد التمثيل أو لا ، وكان المشهدان من الاعتيادية والسطحية (سواء على صعيد الأداء أو على صعيد التكوين المشهدي والإخراجي) ما كانا يُتيحان لأية ممثلة أخرى أدائهما. ويقال إن وودي آلن اختصر حضور السيدة الأولى كثيراً، وبرر ذلك بــ(عدم مقدرتها على التمثيل).
وجاء ضم كارلا بروني إلى فريق العمل إثر تصريح لها في رد على سؤال لصحافي ما إذا كانت فكّرت بالتمثيل؟، فقالت السيدة الأولى إنها لن تُمثّل إلاّ تحت إدارة مخرج كبير، و بسؤالها عن الاسم الذي يدور في خلدها، أجابت: وودي آلن. لكن مجريات الأمور قد لا تُعيد كارلا بروني أمام كاميرا وودي آلن مرة أخرى أبداً، أو ربما ستفكّر هي في الأمر أكثر من مرة قبل إخضاع نفسها لعدسات مخرج آخر، بصرف النظر عن كونه كبيراً أو مبتدئاً.
يروي الفيلم مغامرة خطيبين شابين يصلان إلى باريس للإعداد لحفل زواجهما القريب، هو (جيل ـ أوين ويلسن) كاتب شاب من الطبقة الوسطى يحلم بأن يكتب روايته الأولى ويعشق السير تحت زخْات المطر، بالذات في باريس، وهي (هيلين ـ ريتشيل ماك آدامز) ابنة عائلة أمير
الماضي الباريسي
ثرية لا همّ لها إلاّ المتعة وقضاء الوقت في المطاعم الفاخرة وفي محلات الموضة العالية وصالات الرقص حتى ساعة متأخرة من الليل، وتكره المشي تحت المطر.
نقيضان لا يجمع بينهما إلاّ ما يبدو لهما (حباً) ويتضّح في أول هزة إنه لم يكن إلاّ نزوة من قبلها وولعاً بها من قبله، وأنهما لم يُجبلا لأحدهما الآخر، وبما أنه هو الأصدق في هذه العلاقة فهو المبادر إلى الرحيل، في حين هي تواصل الكذب فيما قضّت ليلتين برفقة صديق قديم التقت به وبزوجته بالمصادفة في مطعم باريسي. أستاذ جامعي يدّعي أنه يعرف كل شيء عن كل شيء ويثير من جانب إعجاب هيلين المطلق به.
وبرغم أن الانفصال بين الاثنين هو في صلب الأحداث، لكن ما يُطلق العنان لتلك الأحداث ويُغيّر من طبيعة العلاقة بين جيل وهيلين، ليس البروفيسور ثقيل الظل والمدّعي، بل هي المصادفة التي تقود جيل إلى عوالم الماضي، وتجعله يلتقي بكل ما هو جميل وحي من عالم الماضي الباريسي، وبعملية تبدو وكأنها انقياد لماكينة الزمن يعود جيل إلى الماضي، إلى الوراء لما يربو عن قرن من الزمان، ليلتقي رموز الثقافة في تلك المدينة التي جمعت مبدعي الفنون في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين، ليكتشف فيما بعد أنه لا ينتمي إلى هذا العصر، وأنه ليس كاليفورنياً، بل هو باريسي، أو بالأحرى أوروبي ينبغي أن يترك نفسه وجسده يتبللان بمطر الليل في باريس.
(منتصف الليل في باريس) أيضاً شهادة انتماء لوودي آلين (النيويوركي الخالص) إلى أوروبا، فبعد أن عُرف لسنين طويلة أنه (المخرج الأميركي الأكثر أوروبية)، إنما يأتي بهذا العمل ليُثبّت للتاريخ انتماءه الكامل للثقافة الأوروبية، أو لتلك الثقافة التي وجدت في باريس (أوروبا) مكاناً خصباً لها، بصرف النظر عن المكان الذي جاء منها أولئك المثقّفون.
رحلة طويلة
وبعد استعراض ممل وطويل بشكل غير مبرر في البداية ليرسم مسار يوم كامل منذ الفجر حتى منتصف الليل، سرعان ما يُمسك وودي آلن بخيط الفيلم ويقود المشاهد في رحلة طويلة يُزيل منها الزمن ويمسح مناطق العبور بين الحاضر والماضي، تاركاً لدى الجميع ابتسامات واندهاشا يُعبّر عنها بإيماءات إعجاب صامتة، ويحدث ذلك كلّما أخرج من قبّعته شخصية من شخصيات بدايات القرن الماضي لتُطلّ علينا وتحدّثنا بالبديهي الذي قرأناه عنهم وعلى لسانهم مراراً، لكنه بديهي مثير للدهشة لأننا نسمعه من لسان الشخصيات ذاتها.
رؤية فلسفية
أمور عديدة يريد وودي آلن قولها في هذا الفيلم، أولهما أن ساعة منتصف الليل لم تدُقّ لسندريلا الفتاة فقط، بل بالإمكان أن تدقّ لكاتب شاب يبحث عن نفسه. أما الأمر الثاني، فهو ما يرشح من قراءتنا للفيلم ويبدو مثل نصيحة يقدّمها وودي آلن إلى مشاهده بمنطق الفيلسوف العارف بالأمور. يقول له: (إذا كنت تحلم حلماً جميلاً فلا تستيقظ من ذلك الحلم) ويُضيف: (لا تتقاسم ذلك الحلم مع أي من معاصريك. إنه حلمك، حافظ عليه وعشه حتى العمق).
