صوّر شخصيات راديكالية عبثية وأغفل علاقتها بحركات تحرر أخرى ايرلندية وفلسطينية

«إذا لم نكن نحن فمن؟» يعيد الألمان إلى رعب الجيش الأحمر

ت + ت - الحجم الطبيعي

شيء من الكآبة كان بوسعك أن تستشفه على وجوه الخارجين من الصالة التي عرضت فيلم «إذا لم نكن نحن، فمن؟» الألماني الذي يتناول حقبة حساسة من تاريخ ألمانيا الحديث، وتحديدا قصة صعود ما عرف بفصيل «الجيش الأحمر»، الذي نشط بشكل خاص مع نهاية سبعينيات القرن الماضي. هذه المجموعة التي يعرفها العالم العربي أيضا، كونها اشتركت مع منظمات عربية فلسطينية، في تنفيذ عمليات اغتيال وخطف طائرات، ليست المرة الأولى التي تروي السينما الألمانية حكايتها، إذ سبق وظهرت عنها مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية.

لكنها، وكما يقول مخرج الفيلم أندرياس فيل، المرة الأولى التي يتم البحث عن الجانب الشخصي والتكويني النفسي لتلك الشخصيات، التي روّعت ألمانيا الغربية، ذات يوم، تحت شعار «النضال ضد البورجوازية» المتحالفة مع بريطانيا وأميركا، والمتغاضية عن جرائم حرب ترتكب في فيتنام وفلسطين وجبهات أخرى.

 

ثورة أم عار؟

مرد الكآبة التي سيطرت على الجمهور الألماني بشكل خاص، مردها ذلك التشوش الذي يحيط في كل مرة تستعاد فيها ذكرى تلك الشخصيات، التي انتحر أو تم تصفية غالبيتها العظمى في السجون الألمانية، إذ هي سيرة واقعة تاريخيا في منطقة بين الثورة والتخريب، بين الجنون والمنطق، بين «ما كان يجب أن يكون» وما اعتبر «عارا» يستوجب التطهر منه.

وقد ساهم هذا الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى في «مهرجان برلين السينمائي الدولي»، ضمن الأفلام المتنافسة، في تأكيد هذا التشويش وعدم الحسم، إذ هو لا يذهب إلى إدانة تلك الشخصيات، بشكل مباشر، بل يهتم بإظهار رحلة تطورها، نفسيا وعقائديا، من دون أن يغفل تصوير عوالم وجودية عدمية، كانت هذه الفرق تعيشها، متأثرة بالكثير من الأفكار الراديكالية التي انتشرت مع نهاية ستينيات القرن الماضي.

وقد أسس «الجيش الأحمر» رسمياً في عام ‬1970 كل من: أندرياس بادر ، غودرون إنسلين ، هورست مالر ، أولريكا ماينهوف ، إرمغارت مولر و غيرهم. وقد ركز الفيلم بشكل خاص على شخصيتي بادر وانسلين، إضافة إلى شخصية رئيسية أخرى لم تكن منضمة إلى الفصيل.

وهو حبيب غودرن وأبو طفلها، الذي ينحدر من أسرة دينية كاثوليكية تكره اليهود، كما أن والده هو كاتب عمل في خدمة هتلر والنازية! يرتبط الشريكان بقصة حب، تشكل الخيط الدرامي الذي تدور حوله كل الأحداث الأخرى.

وصور الفيلم عمليات تفجير المتاجر في فرانكفورت ومدن أخرى، لكنه لم يعرض لتصفية الشخصيات الألمانية ولا لارتباط خلية الجيش الأحمر بخلايا ثورية أخرى في العالم، مثل الجيش الايرلندي والمنظمات الفلسطينية وغيرها، مما ساهم في تأطير هذه الاستعادة التاريخية بشيء من العزلة، وكرس مفهوم الفوضى والافتقاد إلى الفكر أو الايديولوجيا لدى تلك الشخصيات، التي اتهمت بقتل أكثر من ثلاثين رجل أعمال وشخصية رسمية وأناس عاديين خلال سنوات نشاطها.

 

معلومات غير مؤكدة

كذلك تجدر الإشارة إلى أن المخرج آثر أن يظهر شخصية مسؤولة أحد السجون الذي تعتقل فيها غودرون، بطابع متعاطف ومتفهم لعمل هذه المجموعة و«ثورتها»، وهو ما قد يفهم بأنه محاولة لنفي تهمة التصفية المتعمدة لتلك الشخصيات في السجن، والتي قيل انها انتحرت من دون أن يكـون ذلك الأمــر حاسمــا.

وتقنيا، تظهر في الفيلم مشاهد توثيقية عن محطات هامة في تاريخ ألمانيا والعالم في تلك السنوات، من بينها تسجيلات محاكمات لمسؤولين نازيين سابقين، وأخرى من طائرة جنود أميركيين يقصفون قرى فيتنام، أو تظاهرات في أميركا ضد الحرب وضد العنصرية الممارسة بحق السود، إضافة إلى مقاطع عن أزمة خليج الخنازير الكوبية الأميركية.

ولقطات من خطب لفيديل كاسترو. وغيرها من اللقطات التي كانت تظهر الأحداث المحيطة بحكاية شخصيات الفيلم. وربما يعود هذا الاهتمام باللقطات الواقعية إلى كون المخرج يأتي من عالم السينما الوثائقية إلى الروائية، حيث يعتبر هذا الفيلم فيلمه الروائي الأول، بينما يحضر لفيلمه الثاني عن الأزمة المالية العالمية.

طباعة Email