من وحي «برلين السينمائي»

‬10 وصفات لصناعة مهرجان يملأ الدنيا ويشغل الناس 1-2

ت + ت - الحجم الطبيعي

كيف تصنع مهرجانا سينمائيا يملأ صداه الدنيا، وتحتل أخباره عناوين الإعلام بمختلف اللغات، في كل عام، من دون أن تكون الدعاية منصبة حول تواجد النجوم الكبار فقط، بما يعني دفع مئات آلاف الدولارات.. ومن دون حتى أن تكون كل الأفلام التي تعرضها هي عبارة عن «أيقونات سينمائية»؟

الاجابة عن هذا السؤال تستدعي مباشرة سؤالا آخرا: كيف تتمكن من جذب ‬4 آلاف صحافي أولا إلى هذا المهرجان، لأنهم إن دفعوا ثمن تذاكر الطائرات التي تقلهم من طوكيو والأرجنتين ونيويورك ودبي وبيروت ومئات الأمكنة الأخرى، ولم يتوانوا عن بذل تكاليف الإقامة، وبذل كل المعاطف على أجسادهم في مواجهة البرد.. إن تمكنت من إقناعهم بأن يفعلوا كل ذلك، فلا عليك من الشهرة والدعاية، ستحصل عليها مهما قلت ونظمت ونفذت!

خلال الأربع وعشرين ساعة الأولى من انطلاق مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، في دورته الحادية والستين، يوم الخميس الماضي، كانت وكالات الأنباء والصحف والمجلات في أصقاع العالم تتهافت على نشر أخباره. هذه بعض الأمثلة الحيةّ، من وحي دورة هذا العالم، التي تجعلنا نقترب من فهم الآلية الدعائية التي تساهم في شهرة هذا المهرجان العريق، في موازاة الاختيارات الجادة، بالطبع، للأفلام المعروضة. 

‬1 ــ لا تبتعد عن السياسة

مخطئ من يظن أن السياسة بإمكانها أن تفصل عن السينما. أن تكون السينما شأنا «ترفيهيا» أو فنيا خالصا. لا يبدو برلين السينمائي خائفا من طرح أي قضية شائكة. وقد يحتار المرء في محاولة استيضاح أجندته السياسية، ان وجدت بالمعنى الدقيق للأجندة، فبمجرد أن يخطر إلى بالك افتراض، قد يفاجئك فيلم معروض بانطباع يحاجج افتراضك، ان لم يكن يناقضه.

وفي الوقت الذي قد تخاف فيه مهرجانات ناشئة، كما في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، من عرض أفلام تشكل وجهات نظر مناوئة للأنظمة والسياسات الرسمية لتلك البلاد تجاه علاقتها ببلاد أخرى أو طريقة مقاربتها لعدد من الملفات، فإن «برلين السينمائي» قد قام بفك هذا المسار منذ زمن طويل، وربما تكون انجلينا ميريكل، المستشارة الألمانية، آخر مواطن ألماني يحق له ان يدلي برأيه عن نوعية عروضات الأفلام وطبيعتها.

 

‬2 ــ اصنع جلبة.. اصنع حكاية

إن كان الإعلام الغربي، كما العالمي، مشغول طوال السنوات الماضية بقضايا وملفات محددة، على سبيل المثال الشأن الإيراني، فلا يمكن أن تدير مهرجانا يكون بعيدا عن تلك القضايا، وفي حالة «برلين» يكون منزوع «الدسم الإيراني». فكيف اذا قمت بدعوة مخرجا، تعرف مسبقا انه لن يتمكن من الحضور؟ سيكون عليك، وعلى طريقة السينما، أن تستغل هذا الحدث، لحبكة درامية، فلا تتورع عن اظهار كرس فارغا يحمل اسم مخرج إيراني غائب، فتغدو اللقطة صورة حزينة تنشر في روسيا والصين ومصر والهند والخليج، وحتى طهران، مع عبارة: برلين ينتفض في وجه قمع الحرية. ستتمكن لا شك من أن تعيد التأكيد على دورك كمهرجان سينما، لا يكتفي بعرض الأفلام فقط، بل يحرّض على تحررها من قبضة الرقابة والمنع. ومن منا لا يحب أن يقرأ موضوعا ضد الرقابة والمنع؟

مثال آخر: اذا كان الموضوع المصري هو الموضوع السياسي الاكثر حيوية هذه الأيام، وصحافة ألمانيا تنشر أخباره على صدر صفحاتها الأولى كل يوم، كما أن التلفزة الألمانية مهتمة به، فحال اعلان حسني مبارك عن تنحيه سيكون عليك ان تنظم ندوة عاجلة عن «السينما المصرية وقضايا الحرية»، وهذا ما سيحصل خلال اليومين القادمين بحسب معلومات «البيان».

 

‬3 ــ اسمح بتظاهرة في خارج الصالة.. ادعمها بخطبة في داخل الصالة:

تحمل ماريا غيروني، الصبية الايطالية لافتة مكتوب عليها: ارحل يا برلسكوني.. أيها المجنون! تقول الشابة التي تعيش في برلين، وتعمل كمهندسة جيوليوجية، مع مجموعة من أصدقائها بتظاهرة ضد رئيس الوزراء الايطالي، على مسافة أمتار من قصر المهرجان، في ساحة بوتسدام المكتظة، مستغلة الحركة النشطة للإعلاميين الذين يؤمون المكان في هذا الوقت من العام: «انه مسيء إلى صورة ايطاليا والناس في ايطاليا.. المرأة الايطالية تجدها مجرما بحقها، لقد حور صورتها من امرأة مكافحة ومثقفة وطيبة إلى امرأة لعوب بفعل علاقاته ومغامراته العاطفية التي لا تنتهي والتي لا يتوان من التصريح عنها ليل نهار.. عليه أن يتوقف».

تقول إن إدارة المهرجان لم تسمح لهم بالتظاهر عند مدخل المهرجان، لكنها لم ترفض تواجدهم على مقربة منه. فيما كانت تتكلم، كان ناشطان ايطاليان قد ترجلا للتو عن خشبة المسرح في الصالة الضخمة رقم واحد في الداخل، بعد أن استبقا عرض الفيلم الايطالي بالدعوة إلى قول «لا» في وجه برلسكوني الذي دمر الثقافة في ايطاليا وساهم بانحدارها، حيث يشكل المصروف عليها من الناتج العام ‬0,28٪. الجمهور الذي كان يتوقع فيلما، صفق لخبطة سياسية دعت الصحافة المتواجدة فيه إلى نقل الرسالة بكل اللغات!

تقول غيروني في حديثها مع «البيان»: انظر ما حدث في الشرق الأوسط، أطاحت الشعوب باثنين من حكامها، ليتنا نتمكن من أن نفعل ذلك في ايطاليا. الوضع هناك أسوأ!

 

‬4 ــ انشر غسيلك قبل أن ينشره الآخرون:

لا تحاول ألمانيا من خلال مهرجانها، الذي يحضره الآلاف حول العالم كل سنة، أن تروّج صورة مثالية لمجتمعها، تدعي الكمال. ولا تتوانى إدارة المهرجان عن عرض الأفلام الجدلية التي تناقش قضايا حساسة على مستوى البلد، بعضها يتخذ طابعا سياسيا أيضا، الأمر الذي يرسّخ علاقة الثقة بين المهرجان وجمهور بلده، بالدرجة الأولى، وبينه وبين الجمهور الخارجي، على حد سواء.

أحد الأفلام التوثيقية الهامة التي عرضت هذا العام، وبوسعنا ان ندرجها في هذا السياق هو الفيلم الألماني «نوكولين آنليمتد» للمخرجين اجوستينو ايموندي وديتمار راتش. ويكشف الفيلم، عبر قصة مؤثرة (نعرضها في سياق آـخر) قسوة قوانين الهجرة الألمانية وثغراتها وتأثيراتها المدمرة على حياة المهاجرين إلى ألمانيا وصورة البلد بوصفه يؤمن بحقوق الانسان والتنوع والاندماج. ولا تعطى هذه النوعية من الأفلام مساحة للعرض فقط، بل يجري الاحتفاء بها، وتكريمها، واختيارها للمنافسة على الجوائز، كما هي الحال بالنسبة إلى هذا الوثائقي، الذي حاز العالم الماضي على جائزة في قسم «جينريشن»، ويعاد عرضه هذا العام في قسم «سينما ألمانيا» كونه مرشحا لجائزة السينما الألمانية الأهم التي تضاهي الاوسكار الأميركي. (غدا بقية الوصفات)

طباعة Email