يبدو أن السينما العالمية حفلت بالعديد من الأعمال التي عالجت الفترات الرئاسية التي قضاها الزعماء في منصبهم ليحِيكوا منها أدقَّ السيناريوهات في حبكة درامية تجعل المشاهد يتابع عن كثب تلك التفاصيل، علَّه يظفر بمعلومة كانت مخبأة في دهاليز السياسة ومغلفةً بنظام البروتوكولات التي حجزت الطبيعة التلقائية التي يعيشها الزعيم والتفاصيلَ اليومية التي ظلَّت مستورة بحجاب الخصوصية الممنوعة من التصوير أو التحرير.
فكانت ولاتزال السينما هي الأداة الوحيدة التي تبحث في دفاتر الزعيم بعيدا عن شبهة الباباراتزاي التي تُلاحق المشاهير أو الصحف الصفراء التي احترقت عند القارئ قبل أن تطبخ، ولعل الفيلم الفرنسي «الغزوة» للمخرج خافيير دورينجر، الذي يعالج قصة صعود نيكولا ساركوزي السياسي الطموح من زعيم لحزب «اتحاد من أجل حركة شعبية» اليميني منذ عام 2002 مرورا بتوليه حقيبة الداخلية، وقمعه لمظاهرات المهاجرين بضواحي باريس، وانتهاء بفوزه بانتخابات الرئاسة عام 2007، سينضم إلى تلك الكوكبة من الأفلام ، حيث سيفتح الباب على مصراعيه حول مدى نجاح تلك النوعية من الأفلام في توثيق الشخصية والوقوف أمام أهم ممارساتها السياسية ومدى استجابة المشاهدين لها لا سيما النقاد إما بالاستحسان أو الاستهجان.
فرانسوا ميتران كما لم تشاهده من قبل
«بطل عربة مارس» يعد من الأفلام الأولى التي وثقت لسيرة زعيم فرنسي، حيث جسد الممثل ميشيل بوكي شخصية ميتران ، وهو الممثل الوحيد الذي أعطته هيئة السينما في فرنسا حق تمثيل شخصية رئيس الجمهورية الخامسة لفرنسا فرنسوا ميتيران، ولقي استحسانا من قبل النقاد و الجمهور ، فقد بعث حسب تعبيرهم روح الرئيس من جديد الذي كان غاب عن الأنظار منذ تخليه عن كرسي الرئاسة، حيث حمل شخصية استثنائية تتمتع بالأناقة والمثالية مبالغةً في الإقناع من بطولة رورب جيديجيان، وقد نال الفيلم جائزة أحسن ممثل في مهرجان سيزار .2006
نيكسون كاريزما الزعيم
وبعكس ميشيل بوكي فقد كان أنطوني هوبكينس قد جسد شخصية نيكسون ، فقد كان يتسم بالتفاخر الشديد تتخلله موجات من الغضب التي تعتري الممثل من الفينة إلى الاخرى، كل ذلك حاول من خلاله أوليفر ستون مخرج الفيلم أن يظهر شخصية نيكسون في قالب معقد تتخلله بعض المواقف المثيرة للشفقة في وقت كانت الحكومة تعاني من أزمة ثقة بينها وبين الشعب، مما أثيرت حوله تساؤلات حول المغزى الحقيقي من وراء عرض تلك المواقف المتناقضة للشخصية، محاولاً حسب تعبيره أن يعطي الصورة الدقيقة لتلك الشخصية، وفي نهاية الفيلم يشير المخرج بأن نيكسون أول رئيس أميركي يأمر بخفض ميزانية الدفاع على مدى ثلاثين سنة، فيما استطاع هذا الفيلم أن يستحوذ على 14 مليون دولار في شباك التذاكر.
«الملكة» صورة مطابقة للأصل
أما فيلم «الملكة» فلم يخرج عن ديباجة نيكسون في عرض ملامح إليزابيث الثانية التي جسدت دورها هيلين ميرك في فيلم «الملكة» من إخراج ستيفن فريياس، فقد نال عدة جوائز على غرار الأوسكارغولدن غلون وجائزة أحسن ممثلة في مهرجان البندقية، فقد نال استحسان النقاد والجماهير من خلال عرض التفاصيل الدقيقة كالملابس والقبعات التي تتميز بها ملكة بريطانيا، فقد كان المخرج فريياس يركز بشدة على تلك التفاصيل والانطباعات الخارجية للملكة، بما يجسد ذلك الانعكاس الإنساني بين الممثل والشخصية الأصلية، حيث كانت 2007 سنة لحصد الجوائز المهمة لذلك الفيلم.
دموية عيدي أمين تكلل بجائزة الأوسكار
وفي خضم تلك الموجات الأميركية في تجسيد شخصيات بارزة ارتأت السينما الأميركية أن تجسد شخصيات أكثر سوداوية في تاريخ شعوبها، عندما أرخت لمسيرة الرئيس الأوغندي عيدي أمين دادا يعرف باسم عيدي أمين، هو الدكتاتور العسكري، الذي انضم إلى قوات الاستعمار البريطاني العسكرية، في كتائب البنادق الإفريقية الملكية، تميز حكمه بانتهاك لحقوق الإنسان، القمع السياسي، الاضطهاد العرقي، والقتل غير القانوني.
عدد القتلى نتيجة حكمه غير معروف؛ لكن تقديرات المراقبين الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان هي ما بين 100,000 إلى 500,000 قتيل، فقد مثل شخصيته فوراست ويتاكر في فيلم «آخر ملوك اسكتلندا» نال على إثره جائزة الأوسكار لأفضل ممثل جائزة الغولدن غلوب لأفضل ممثل، جائزة بافتا لأفضل ممثل، حيث كانت إيراداته حوالي 48 مليون دولار. الفيلم من إخراج كيفين ماكدونالد بطولة وجيمس ماكافوي فوريست ويتكار، فقد استطاع هذا الأخير أن يجسد ملامح ذلك الديكتاتور في أدق التفاصيل.
«سقوط» هتلر
أما فيلم «السقوط» فهو تجسيد لسقوط هتلر والنازية، وفق ما نقلته سكرتيرة هتلر الخاصة ترودل جونج في قالب درامي حربي مؤثر بعيون ألمانية وسط أجواء الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في أبريل 1945، والتي تحكي آخر 12 يوما من حياة هتلر، وتقدم الجيش الروسي نحو برلين وقصفه المستمر لها، تدور رحى صراع نفسي وحرب مكتومة بين هتلر وقادته داخل الحصن المنيع الذي اختبأ به مع كبار قادته وأركان حربه. وقد رشح للأوسكار لأفضل فيلم أجنبي من إنتاج ألماني من إخراج أوليفر هيرشبيغل ومثل شخصيته برونو غانز وقد عرض عام .2005
«سلاح الجو واحد» يحصد الملايين
أما «سلاح الجو واحد» فهو فيلم من نوع الإثارة والحرب يجسد فيه الممثل هاريسون فورد دور الضابط الأميركي جورج مارشال الذي أُسندت إليه عدة مهام ميدانية، كما عمل في عدة معاهد عسكرية. في يناير 1947 وفي يونيو من نفس العام أعلن مارشال أفكاره لتنفيذ برنامج يهدف إلى إعادة اقتصادات أوروبا إلى وضعها الصحيح، وذلك لمقاومة توغل الشيوعية في أوروبا الغربية، ووفرت الخطة التي أصبحت تُعرف (بمشروع مارشال) الأموال اللازمة لتمويل اقتصادات أوروبا التي مزقتها الحرب وفي عام 1953 تسلم مارشال جائزة نوبل للسلام تقديراً لخطته.
استقال مارشال من منصبه كوزير للخارجية عام 1949 بسبب مرضه، وبعد سنة من ذلك استدعاه الرئيس هاري ترومان ليصبح وزيراً للدفاع. عمل مارشال خلال فترة توليه المنصب على ضمان التأييد والدعم الأميركي القوي للأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، حقق الفيلم ردود فعل إيجابية بصفة عامة من النقاد. وقد حقق نجاحا كبيرا في شباك التذاكر، وحقق 172,650,002 دولار أميركي (54,9%) في الولايات المتحدة و 142,200,000 دولار أميركي (45,1 %) في بلدان أخرى. ليبلغ الإجمالي 315,156,409 دولار أميركي في جميع أنحاء العالم في شباك التذاكر.
ولقد شاهد الرئيس الاميركي بيل كلينتون الفيلم مرتين، وأعطى له ردودا إيجابية. غير أنه لاحظ أن بعض عناصر الفيلم في الطائرة مثل كبسولة الهروب لا تعبر عن صفات فعلية للطائرة الرئاسية، وذلك لأن التفاصيل الدقيقة وصفات الطائرة الرئاسية هي في غاية السرية وهذا لا يمكن تأكيده، الفيلم من إخراج فولفغانغ بيتراسن.
السينما العربية حاضرة
ولم يغب المشهد العربي عن تلك النماذج السياسية المهمة، فقد كانت هناك أفلام من ذلك النمط على غرار الملك فاروق وجمال عبد الناصر وأيام السادات، يدور فيلم أيام السادات حول حياة الرئيس المصري انور السادات من أيام طفولته في محافظة المنوفية لحد اغتياله في حادثة المنصة. بين الفيلم أهم الأحداث التي حدثت له من أول ما دخل الكلية الحربية وزواجه الأول واتهامه في قضية تجسس لصالح ألمانيا أيام الحرب العالمية الثانية وتورطه في اغتيال امين عثمان وتسريحه من الجيش المصري، ورجوعه له مرة ثانية، ويعتقد النقاد أن الفيلم سرد تاريخ شخصية السادات وتطورها بعين الحاضر وليس كما كان عليه في الأربعينيات، وما تلاها حتى لحظة اغتياله أثناء احتفاله بذكرى حرب السادس من أكتوبر الأول .1981
وقد ركز الفيلم على فترة ما قبل المرحلة المعروفة بثورة يوليو 1952، ثم قفز بعد ذلك في اختصار سريع لتبرير قرارات السادات والخطوات التي بنى عليها سياساته الداخلية والخارجية.
ويبرز الفيلم السادات كشخصية منسجمة صلبة ذات مبادئ منزهة عن المطامع والمصالح الشخصية تضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات في فترة النضال ضد الحكم الإنجليزي.
ويرى نقاد ومشاهدون أن الفيلم قفز مرارا فوق الأحداث وقدم تبريرات لمواقف سياسية عديدة اتخذها السادات مثل اتفاقيات كامب ديفيد ومواقف أخرى عديدة.
يذكر أن من بين الممثلين الذين أدوا أدواراً رئيسية في الفيلم إلى جانب زكي، الممثلتين منى زكي التي أدت دور جيهان السادات في فترة الصبا، وميرفت أمين التي جسدت الدور في مرحلة النضج، وقد أدى دور السادات أحمد زكي وقد مثل إلى جانبه ميرفت أمين منى زكي وأحمد السقا سيناريو أحمد بهجت وإخراج محمد خان.
ويبدو أن السينما العالمية قد تعرض في بعض الأحيان شخصيات مثيرة للجدل، وهو الأمر الذي ينطبق على هتلر والديكتاتور الأوغندي وهو ما ألفته السينما العالمية، فلا يستغرب أن يأتي خافيير دورينجر بفيلم الغزوة ليعلن بأن السينما لم تكن يوما منوطة بتاريخ الأبطال بقدر ما هي تدخل في غمار الشخصيات التي تثير جدلاً في حياتها وبعد وفاتها، على غرار ساركوزي وهتلر على التوالي.
